لا يمكن للمتجول أن يمر بسرعة من أمام لوحات البولندي توميك سيتوفسكي فاللوحات تثير التساؤل وتجعل المتلقي مستهدفا في العملية الإبداعية في اللوحات التي شكلها المعرض الذي أقيم تحت رعاية معالي المهندس سلطان بن سعيد المنصوري وزير قطاع التنمية الحكومية.
وافتتحه مساء أمس الأول في قاعة ابن ظاهر من مبنى المجمع الثقافي في أبو ظبي زكي نسيبة نائب رئيس هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث بحضور السفير البولندي لدى الدولة، والفنان عبد الله العامري مدير مؤسسة الثقافة والفنون في المجمع الثقافي وعدد من سفراء الدول العربية والأجنبية وأعضاء السلك الدبلوماسي لدى الدولة.
والمعرض الذي نظمته هيئة أبو ظبي للثقافة والفنون بالتعاون مع سفارة بولندا ومجموعة أبو ظبي للثقافة والفنون ضم عدداً كبيراً من اللوحات الزيتية الكبيرة الحجم نفذها الفنان بأسلوب الواقعية السحرية.
وهذا ما جعله بعيدا عن رائد السريالية الفنان سلفادور دالي، وقريبا من بوسشن وإن بقيت لوحاته تقترب مما قدمه السرياليون الذين استوحوا مواضيعهم من الأنا السفلى، ليظهروا ما في الأعماق بكل صفاء، ودون حواجز، وهذا ما دفع المشاهدون للتأمل كثيرا في مساحات اللوحات التي توحي لهم بأنها لحظة ما بين الحلم واليقظة، خاصة وان الفنان استخدم اللون الأزرق وتدرجاته بكثرة في معظم لوحاته.
واللوحات رسمها سيتوفسكي بمهارة فنان متمكن من أدواته الفنية، فكان مخلصا لها حتى آخر لمسة من فرشاته، رغم كثرة التفاصيل التي تبرز الكثير من الأفكار والعوالم التي لا يشاهدها الإنسان عادة، عالم قد يعكس أعماق البحار وما قد يحويه من حطام لسفن وبشر، يحوم من حولهم السمك وكأنهم فريسته المنتظرة، أو عالم مسحوب من الأساطير لملوك ومدن زالت، ولم يجد الفنان حرجا من رسم تفاصيل لتقاطيع وجه غير متكامل ، عينان لوحدهما، رأس مرمي تحت الركام، كل ما يمكن أن يقودنا من سؤال إلى آخر، إلى أن نصل إلى عجلات الزمن .
وما يمكن أن يفسره كل على هواه ساعات وساعات ترمز إلى الوقت الذي يهرب منا حتى وإن جسدها سيتوفسكي في لوحاته على طريقة ساعات بأرقام لاتينية، أو إنجليزية، أو ساعات من العيون أو غيرها كل ما يوحي بأن الزمن ليس واحدا، لكل زمنه، وقته، إحساسه بهذا الدوائر التي رسمها الفنان بدقة ومن خلال دقائقها يحدد كل شيء.
والفنان الذي أخلص لتفاصيله أخلص لألوانه مجموعة لا متناهية من الألوان الصريحة والمشتقة وضعت بانسجام، وبدقة تخدم التكوين الذي نادرا ما نجده عند فنان، وكل هذا يختزل تجربة الفنان البولندي التي بدأت بشكل جدي بعد تخرجه من كلية الفنون الجميلة في شيستوشوفا في بولندا،في العام 1989 ليشارك في العام 1995 في معرض أقيم في الهواء الطلق أطلق عليه «السرياليون البولنديون».
حيث عرض أفضل الفنانين أعمالا سريالية، وتم وقتها الاعتراف بسيتوفسكي كواحد من أكثر الفنانين أصالة وموهبة ونجح في خلق أسلوب خاص وفريد معترف به، مما أثار اهتمام خبراء الفن الأجانب العالميين. وسجل العام 1998 نقطة التحول الرئيسية في حياة سيتوفسكي.
حيث كانت معارض ستريكوف للفنون الجميلة تبحث عن فنانين جدد واعدين ويتحلون بأسلوب أصيل في الرسم، ومن بين العشرات قرر الأميركيون المراهنة على سيتوفسكي، وعرض في نيويورك في أضخم معرض فني، ليصبح له منذ ذلك التاريخ جناح خاص به يعرض أعماله به تحت عنوان «متحف المخيلة».
توجد أعمال سيتوفسكي في عديد من المجموعات الخاصة والمتاحف مثل متحف الفن الفنتازي في سويسرا... وغيرها من الأعمال . ولم يتمتع سيتوفسكي بموهبة فنية منقطعة النظير فقط،إنما تمتع بحالات إنسانية جعلته لا يقف موقف المحايد من مشاكل الآخرين،ويكرس ريع بعض أعماله كل سنة إلى المنظمات الخيرية.
ومن الجدير ذكره أن الفنان سيتوفسكي سيأتي في العام القادم إلى الإمارات ليطلق ولأول مرة أعماله في مجال المجوهرات والتي تقوم أساسا وبشكل رئيسي على لوحاته الفنية، بينما سيقوم قبل انتهاء معرضه الحالي يوم 16 نوفمبر الجاري بورشة عمل تستمر يومين تستهدف الطلاب وعشاق الفن الذين سيتمكنون من مشاهدة الفنان أثناء ممارسة الرسم ويتعلمون عن تقنيات الرسم والتعامل مع الألوان، علاوة على فلسفته في الفن ونظرته إلى المخيلة.
أبو ظبي ـ عبير يونس
