واصل النادي الثقافي العربي في الشارقة احتفاءه بمرور عامين على وفاة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ضمن نشاطات ثقافية وفنية واجتماعية تجلت في صور متعددة ومتنوعة، من إحياء لذكراه وتبجيل لعطائه وتذكير بما صنعت يداه، وتدوين لما قال وفعل... وتحسر على ما فقدناه...

ومن هذه الاحتفاءات كانت أمس الأول قراءة نقدية لكتاب «زمن الصبر» الذي أعدته مريم الملا عن تاريخ وطن وسيرة مكان، والذي يحاول أن يلامس ما تركه الراحل الشيخ زايد من أثر في جغرافيا الروح وظلال المكان، وما دونه من مآثر لا يدونها إلا صناع التاريخ.

أدار الجلسة الإعلامي نواف يونس، وقدم القراءة الناقد عبد الفتاح صبري ضمن محاولة لتبيان الجنس الأدبي الملائم للجمع بين تاريخية الراحل ووقعه المدوي في حاضرنا، وإشكالية التأريخ لسرد مازال عصي على التدوين السردي لما فيه من ابتسار للعمق الزمني من جهة، ولتحجيم للأبعاد الإنسانية التي تحتاج إلى دراسة معمقة ومطولة وشمولية من جهة ثانية.

ومن الحب ما..

المحاولة دون شك كانت محط إعجاب الجميع من حيث المبدأ، لكنها كانت برأيهم، كانطباع أولي على الأقل، انها لم ترتق إلى عظمة الشيخ زايد على كل الأصعدة، وإن كانت الكاتبة كما قالت تحاول أن تعبر عن حبها للجانب الإنساني في الشيخ زايد رحمه الله.

تدور أحداث الرواية حول مرحلة من تاريخ دولة الإمارات، وتحديداً في الفترة التي بين 1928 و 1966، في إمارة أبوظبي، حيث أظهرت الرواية الشكل السياسي للحكم وأبرزت من خلال الراوي تفاصيل الحياة بكل جوانبها.

والانتقال الهادئ من مرحلة الغوص وتجارة اللؤلؤ إلى تشكيلات اجتماعية وتاريخية جديدة فرضتها التحولات الاقتصادية، والسياسية المستجدة كاللؤلؤ الاصطناعي والاستعمار الجديد، وغيره من التطورات التي فرضت نفسها بقوة على حياة الغوص والبداوة.

وتابعت الرواية من خلال الراوي وخليط من الشهادات والتوثيقات والاقتباسات... محاولاتها لرصد التحولات الاجتماعية بين عامة الناس والسلطات السياسية المستجدة.. ضمن تقسيم قسري لما أسمته الكاتبة بالرواية لأبواب يحددها الراوي ضمن ارتحالاته ضمن المكان متكئاً على أبعاد اقتصادية عصية على التصنيف، فهل هي رعوية أم خراجية أم ... لكن في كل الأحوال قاسمها المشترك هو المناخ، وكأن الصحراء والبحر من جهة والعناوين الأخرى من جهة ثانية: غضب الصحراء ... حروب الكر والفر .. العلاقة بين الانجليز وحاكم أبوظبي.. .. الخ.

لم ينقص هذه العناوين إلا موسيقى تصويرية لتتحول إلى أفلام، لكن في الحقيقة كل كلمة تحتاج إلى رواية مستقلة، فالصحراء لا تعني أبداً مجرد مفردات، إنها تشكيلة اجتماعية تاريخية احتاجت لإرهاصات متنوعة، ولتراكمات، ربما طالت حضارات وحضارات..

الرواية ـ كما يقول عبد الفتاح صبري ـ في محاولتها البحث في التاريخ كشفت عبر بعض السياقات الاجتماعية والثقافية عن بعض التجليات الإنسانية، لأن الحدود الجامدة بين دراسة الأدب والتاريخ هي في النهاية حدود واهية، والرواية حاولت توفير سرد يبحث في المسكوت عنه، وكيف كانت أطر الحكم السائدة.

والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين الحاكم والاستعمار، وعلاقة كل ذلك بمرحلة التنقيب عن النفط وما بعد ذلك .. ولكن الأهم هل تم ذلك ضمن حفر في التاريخ أو اتكاء على نصوص تاريخية أو شهادات أو..؟

الناقد صبري لم يستطع في قراءته التحديد بدقة هل الكاتبة ترجع إلى التخيل أم تتكئ على مرتكزات واقعية، وقال بالحرف: في زمن الصبر سنلمح مريم ملا تتمترس خلف الروائي من أجل إيراد حقائق وأسماء، كلها من واقع التاريخ، ولكن تظل العلاقة ملتبسة بين «زمن الصبر» والتاريخ.. بين الحقيقة الفنية والموضوعية.. بين التخيل والحقيقية.

إشكالية الراوي

تصر الكاتبة مريم الملا على أنها لم تلتق بمحمد عبد الجليل الفهيم لأكثر من ساعة، وكل شخصياتها من الخيال بغض النظر عن الأسماء... بينما هو في الرواية يلعب دور الراوي أو السارد، وإن كانت الساعة «مجازية» فإن من البديهي لعربية مثل مريم ألا تعلم الكثير من التفاصيل الدقيقة عن حياة الراحل، وإن كانت المئة والثمانون صفحة لا تصفح لأحد أن يتناول عظمة الراحل زايد، فإن التطرق لجوانب من شخصيته فيها جرأة ومحاولة فذة من حيث المبدأ..

ويقول صبري في هذا الصدد: النص الروائي هو خطاب متداخل ومتراكب من السرد والتخيل واللغة، وهناك مكملات أخرى يمكن استنباطها في البناء الظاهري، وتجرد السؤال عن علاقة النص الروائي والشروط التي ساهمت في إنتاج التخيل المفضي إلى النص، لأن أي نص أو خطاب ليس معزولاً عن الكاتب وشهادته على زمانه وعلى مجتمعه وعلاقته الانتمائية بهذا المجتمع ...

ولو كان السارد هو صاحب «زمن الصبر» والسارد هنا هو «محمد عبد الجليل الفهيم» وهو شخصية عامة من الإمارات، لصنف هذا العمل من أدب السيرة الذاتية.. وكما تقول مريم الملا في مقدمة كتابها: جعلت من شخصيته الراوي الملهم .. وقد أسعدني وأسعده ذلك .. لكنها لم تحدد وقت السعادة، أكان ساعة أم أكثر ..

ويؤكد على محورية الراوي وتصنيف الرواية في السيرة الذاتية الناقد صبري ضمن عدة معطيات، منها: الرواية تعرض للفرد السارد في نطاق المجتمع، وتمزج بين تاريخ الفرد السارد والأحداث العامة والتأثر بها.. وتخضع الرواية إلى تراتبية زمنية تأتي من الماضي إلى الحاضر.. يعتمد السارد، ضمن ضمير المتكلم، على التذكر واستدعاء التاريخ والتجربة المعيشية.. ولم تهتم الرواية بالرؤية الفكرية بل بإيراد الأحداث ...

مع كل هذا يصر عبد الفتاح صبري على أن «زمن الصبر» تعود ضمن التصنيف إلى الرواية التاريخية، بما فيها من سيرة مكان ورصد للتاريخ الاجتماعي والسياسي لفترة ما قبل التحولات، وقبل نشوء الدولة..

واللافت ـ كما يضيف ـ انها حددت الفترة بين 1928 و 1966 والمكان إمارة أبوظبي والعين وتوابعهما من الجزر، وهذا التاريخ دون تراث الناس وحركتهم اليومية وأدواتهم وطرق معيشتهم بكل تفاصيلها وإن كان أقرب إلى الشريحة العليا.

الشارقة ـ محمود أبوحامد