تعرض في العاصمة الفرنسية باريس مسرحية «المغنية الصلعاء» للمسرحي يوجين يونسكو منذ خمسين عاما دون توقف مشكلة بذلك حدثاً استثنائيا في الثقافة العالمية، فقد بدأت المسرحية العبثية عروضها في السادس عشر من فبراير عام 1957، ولم تتوقف أبداً منذ ذلك التاريخ، وتعاقب على تمثيلها عدة أجيال، بعضهم رحل وبعضهم تقاعد، وبقي ممثل واحد فقط يؤدي دوره منذ العام 1957 وحتى اليوم.
وخلال نصف قرن شهدت المسرحية عروضاً درامية لا تقل أهمية عما تقدمه للجمهور، فهي تعرض منذ ذلك التاريخ على مسرح «لا هوشيت» في الحي اللاتيني بباريس، وهو مسرح صغير ينتمي إلى مفهوم مسرح الجيب ويتسع فقط لستة وثمانين مقعداً دون أرقام، إضافة إلى أربعة مقاعد خشبية تقدم للمتلهفين الذين لن يغادروا باريس دون مشاهدة المسرحية كما هو حال كاتب هذه السطور
حيث كان نصيبي مقعد خشبي قرب مدخل الحمام، تسمرت عليه طيلة ساعة كاملة، وهي مدة العرض الذي يقدمه ستة ممثلين «السيد والسيدة سميث، السيد والسيدة مارتين، الكابتن، الخادمة» ومن الطبيعي ان تنتمي المسرحية إلى مسرح العبث لأن مشاهدتها لا تخرج أيضا عن هذا الإطار، فهي ناطقة بالفرنسية ولكن يحضرها كثير ممن لا يفهمون الفرنسية،
ولا يمكن لأحد أن يخطئ بحجز مسبق أبداً، بل عليه الوقوف في الطابور للحصول على بطاقة من كوة صغيرة تجلس خلفها سيدة شديدة الصرامة لا تتردد في قذفك بالبطاقة إذا كنت محظوظاً وأعطيتها 19 يورو، وهو ثمن البطاقة، ولربما ستحصل على ابتسامة باهتة تكلف صاحبتها الكثير، ولربما قالت لك بعد نصف ساعة من الانتظار اذهب واحضر فكة للمئة يورو التي لوحت بها من خلف الزجاج.
من الأحداث الدرامية التي شهدها مسرح لاهوشيت الصغير، انه في مطلع الثمانينات أراد صاحب المسرح بيعه إلى مجموعة مستثمرين ليحولونه إلى مطعم سياحي في تلك المنطقة التي يزورها الملايين سنوياً، لكن مجموعة الممثلين تآزروا واشتروا المسرح ليستمر في عرض «المغنية الصلعاء» وهو اليوم يحظى بدعم حكومي ليبقى معلما من معالم عاصمة النور.
أحد العاملين في المسرح منذ 26 عاماً وهو مغربي يدعى «إيلدار» ويعمل بواباً، ومديراً للمنصة، وعامل إضاءة، ومهندس صوت قال لنا إن المسرحية قدمت حتى اليوم 15500 عرض طيلة نصف قرن، ومنذ انطلاقتها عام 1957 كتبت الصحف آنذاك أن هذه المسرحية لن تعرض أكثر من ثلاثة أيام نظراً لفكرتها الساذجة والتي تتحدث عن الملل الذي يصيب الطبقات الارستقراطية،
لكن التوقعات خابت واستمرت العروض حتى اليوم. ويضيف «إيلدار» ان جمهور المسرحية يحضرها لأسباب مختلفة، بعضهم يريد أن يضحك، وبعضهم يريد أن يستمتع، وثالث يريد أن يعرف الأسباب التي تدفع إلى عرض هذا العبث كل ليلة، وفريق يحضر العرض لتكتمل دورته السياحية الثقافية في باريس.
ويتذكر «إيلدار» حادثة طريفة في الثمانينات عندما وقف شخص عجوز يريد الدخول ولكنه لم يكن لديه بطاقة فطرده «إيلدار» طالباً منه الحصول على بطاقة والوقوف في الطابور فامتثل العجوز.. لكن بعد قليل جاء أحد كبار الممثلين يسأل «إيلدار» عن يوجين يونسكو هل جاء؟ ولما كان «إيلدار» لا يعرف يونسكو فسأل الممثل عن شكله، وتطابقت أوصاف الممثل مع عجوز لا يحمل بطاقة يقف في مؤخرة الطابور، طبعاً لم يطرد أحد «إيلدار» من عمله فقد كان يؤدي واجبه.
ولكن أليس من ضروب العبث أن يطرد كاتب أشهر مسرحيات القرن العشرين من قبل بواب المسرح دون الإفصاح عن نفسه أو دون تذمر. لعل عبث يونسكو لم يكن مسرحاً فقط، بل كان أسلوب عيش أيضاً.
باريس ـ حسين درويش:
