تواصلت بالأمس في قاعة المؤتمرات بقصر الثقافة فعاليات أيام الثقافة السودانية حيث شهد عبدالله العويس مدير عام دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة المحاضرة التي ألقاها كل من الدكتور إدريس سالم الحسن والدكتور محمد المهدي بشرى حول التنوع الثقافي في السودان، كما شهد المحاضرة جمهور كبير من الجالية السودانية المقيمة في الدولة..

وافتتح المحاضرة الدكتور عمر عبدالعزيز مشيرا إلى ان الثقافة السودانية تستقر على قطبي التوحد والتعدد وان الجغرفيا الثقافية تتجاوز الجغرافيا السياسية والمكانية وانها خصوصية ارتبطت بالسودان وميزت إبداعه وتفاعله الثقافي..

الدكتور إدريس سالم الحسن وهو أستاذ في علم الاجتماع شكر من جانبه حكومة الشارقة على استضافة أيام الثقافة السودانية، وتحدث إدريس في محاضرته حول التعددية الثقافية في السودان من نواحيها الاجتماعية مشيرا إلى ان الامتداد الجغرافي للسودان وإطلالته على تنوعات كبيرة من الثقافة المجاورة فتح له الأفق واسعا لكي تتمازج ثقافة مجتمعه بما يصل ويتصل به من ثقافات، وقال ان امتداد السودان إلى البحر الأحمر كان عاملا للامتداد إلى أماكن بعيدة في جنوب شرق آسيا.

وكذلك امتداده إلى أقصى الغرب الإفريقي ومن كل هذا الامتداد جاء اثر كبير من حضارات تلك الأماكن، فقد جاء الأثر من من بقايا الحضارة الإسلامية في الأندلس، كما جاء الأثر الصوفي من بلاد المغرب العربي، وشمالا كان هناك الأثر المصري، مصر الفرعونية ومصر الإسلامية ومصر المسيحية..

وأضاف إدريس: انه بهذا الامتداد وهذا العمق التاريخي الكبير يشكل السودان محطات أولى لتفاعلات إنسانية حدثت للمرة الأولى، فالدراسات والأبحاث تثبت ان السودان كان أول مكان زرع فيه الإنسان الطعام، وكذلك القطن ومن السودان انتقلت صناعة الحديد إلى غرب افريقيا وتبعتها معظم الحصيلة الموجودة، مثل الصناعات الخزفية.

وبما ان الثقافة يحكمها المكان والزمان فكان للإنسان السوداني جذورا ثقافية عميقة في مكانه، فبالنسبة للقيم الروحية كانت الخلوة تمثل المؤسسة التعليمية التي يقوم عليها المجتمع.

وأشار الدكتور إدريس إلى ان نهر النيل وامتداده كأنه له الأثر الكبير في ربط الأجزاء السودانية المتباعدة، فقد مر عبر ثقافات متنوعة ومتعددة. ان هذا الارتباط الحيوي هو الذي أدى بنا إلى هذه الخلطة والتمازج بين الجهات السودانية والتي تمثلت في قيم السودانيين وفنونهم، ونتيجة لهذا الوشائج الأصيلة في الارتباط يكون من السهل ان نقول ان الأحوال السياسية في السودان هي العابرة وليست الأصل وان هذه التعددية الثقافية هي الباقية وهي الراسخة.

ويعلق الدكتور إدريس على أفق التعددية الثقافية في السودان بقوله: في السودان لدينا تنوع ثقافي ولكن لم نصل إلى سياسة ثقافية، لدينا أجهزة لإدارة شؤون الثقافة ولكن لا توجد لدينا سياسة تجمع الثقافات في صورها المتعددة، مشيرا في الوقت نفسه إلى ان الحياة الثقافية تشهد منذ عدة سنوات قريبة حراكا ثقافيا وفنيا يبشر بأمل كبير.

ثم تحولت المحاضرة إلى الدكتور محمد المهدي بشرى وهو مخرج سينمائي وباحث في الأدب وناقد، له كتابات في النقد ومساهمات عديدة في مجال الفنون والآداب، حيث تناول المهدي اثر التعددية الثقافية على منتوجات الحركات الأدبية والفنية مركزا على تأثير وتأثر الشخصية السودانية بالشعر.

حيث لا يزال الشعر يحتل نصيب الأسد في التفاعل الثقافي والإبداعي ولا يزال السودانيون يقبلون عليه ويتعاطونه وعلاقتهم به تكاد تكون نوعا من الانحياز مقارنة بالتعاطي مع صنوف الآداب والفنون الأخرى..

وقال الدكتور المهدي: ان الشعرية في السودان يبدو أنها تأثرت كثيرا بالمزاج الصوفي، ولان المجتمع السوداني كان يتعامل مع الثقافة الشفاهية وأهمل كثيرا في البدايات التدوين، وهذا ما أثر في مسألة ضياع الكثير من الإبداع السوداني القديم وغيب كثيرا من منتوج النثر والسرد.

ولهذا نقول ان الثقافة السودانية هي ثقافة شعرية، القيم الشعرية هي التي تسيطر على قيم الإبداع فيها، ولهذا فإننا نرى انه في الثلاثينات يبدو واضحا ان الشعر قد قام مقام المسرح وأنواع السرد المختلفة وكان للشعراء سيطرة وسيادة..

وتناول الدكتور المهدي بعد ذلك مسيرة الإبداع النثري وكيف كانت خطاه متعثرة في البدايات ومع مرور الوقت وظهور التعليم وبدايات التحديث في السودان بدأت تظهر طلائع الناشرين ومعها ظهرت البدايات الأولى للكتابات النثرية على الرغم من تسيد الشعر، فقد جاءت المجلات والصحف فظهرت مجلتا النهضة والفجر وصار للمقالة شخصيتها ووجودها وهنا شهد السودان ظهور البدايات الأولى لفن القصة، وتأسست مجلة نوعية باسمها وضعت أسس النقد .

وساهمت في نشر القصة، ولكن مجلة القصة لم تستمر لأكثر من عام، إلا أن تأثيرها كان واضحا في إدارة مؤشر البوصلة إلى الصنف الجديد من هذا الإبداع.

وأشار المهدي إلى ان أول رواية شهدها السودان كتبتها امرأة إلا ان التاريخ يسجل ان رواية «أنهم بشر» لخليل عبدالله حاج كأول رواية سودانية كانت متأثرة بالواقعية العالمية.. وحينما جاءت الستينات ظهرت محاولات الطيب صالح (عرس الزين) موسم الهجرة للشمال.

ويقول المهدي ان الملاحظة الواضحة في السودان هو ان هناك دراسات كثيرة للشعر على حساب الإبداعات الأخرى، وهذه سمة تتراءى للشاهد والمتابع للحراك الإبداعي السوداني.

الجدير بالذكر ان فعاليات أيام الثقافة السودانية تختتم غدا الخميس في قصر الثقافة بأمسية غنائية فلكلورية تقدمها فرقة البالمبو تستعرض من خلالها فنا من فنون السودان الذي يعتمد على الإيقاعات وآلة البالمبو.

كتب ـ مرعي الحليان