(التحرر هو حاجة الإنسان لإدراك ذاته، والمقاومة موقف متكامل بين المشاعر والمعرفة والحياة، بعيدة عن النظم والسياسات خلال نصف قرن مضى). بهذه الكلمات قدم الفنان التشكيلي السوري (سعد يكن) لمعرضه الأخير الذي شهدته مكتبة الأسد الوطنية بدمشق، وقبلها الحديقة العامة في حلب. ضم المعرض 29 لوحة موحدة القياس (240x180 سم) وموحدة الموضوع والمعالجة أيضاً، وهي بشكل عام، تمثل تجربته الفنية التشكيلية الطويلة التي تجاوز عمرها ثلاثين عاماً، امتلكت خلالها ملامح متفردة تقوم على الجمع الموفق بين قيمتين تشكيليتين أساسيتين في التصوير هما: الرسم القوي، واللون الشفيف.

جاء المعرض ضمن إطار احتفالية حلب عاصمة للثقافة الإسلامية، وتحية إجلال وتقدير للشعب الفلسطيني والمقاومة اللبنانية على نضالهما عبر أجيال، تجاوزت في تضحيتها حدود التحمل، كما جاء في تقديم الفنان يكن للمعرض الذي حدد ريعه لدمع صمود المقاومة اللبنانية. أعمال المعرض مطبوعة بتقنية عالية، وبالحجم المماثل للنسخ الأصيلة التي بإمكان المقتني لإحداها الحصول على نسختها الأصلية بعد تحديدها. رافق المعرض دليل ملون أنيق الطباعة والاخراج ضم صور اللوحات ومجموعة كلمات لادباء وباحثين واكاديميين وشعراء وفنانين سوريين ولبنانيين، تناولوا فيها موضوع الاعتداء الإسرائيلي الغاشم واللئيم على لبنان وفلسطين، وأبرزت المقاومة الباسلة له في البلدين، والانتصار العظيم الذي حققته المقاومة اللبنانية مؤخراً على العدو الإسرائيلي المتغطرس المدعوم من الغرب والولايات المتحدة الأميركية.

في أعماله عموماً، يعتمد الفنان سعد يكن على جملة من المقومات التي يتخذها وسيلة رئيسة للتشكيل والتعبير في لوحاته أبرزها وأهمها اعتماده الوجوه والأطراف من الإنسان، وسيلة رئيسة لبناء معمار لوحته (التشكيلي والتعبيري) الذي يشكل الإنسان الوحيد المحاصر المنطوي على نفسه والخائب، مادته الأساس والأبرز. ولعكس هذه الحالة وتأكيدها في منجزه البصري، يلجأ الفنان يكن إلى تحرير الوجوه والمبالغة في نسب الأطراف، وتكثيف التعبير في العينين والفم، وهذه العناصر مجتمعة، يرسمها بشكل متواتر ومتشنج، فالأطراف والأيدي في معمار لوحته مشدودة، متحفزة العروق والعظام، عصبية الحركة، مدروسة تشريحياً بإسهاب وتركيز.

ومن مقومات فنه، استخدامه المتقن للعبة التضاد اللوني التي يستخدم فيها برغبة عارمة، اللونين الأثيرين لديه: الأزرق الموشى بالأبيض، والأحمر الناري الصريح، وقد أضاف فيما بعد إليهما اللون المقدس الذهبي، والأخضر الفاتح.

للفنان يكن طريقته الخاصة في فرش اللون في معمار لوحته، فتراه يحاصر الأحمر بالأزرق النيلي والتركواز والأبيض أو يقوم بفلشه فوق ملامح الوجوه، محيطاً إياه بالأزرق والأبيض. ومعمار اللوحة لديه، شديد الحركة، قوامه الأساس، الجسد الإنساني المتوتر، الساكن، والحزين، وهذا الجسد لا قانون ينظم دخوله عمارة اللوحة، فقد ينزل من أعلى، أو ينهض من أسفل، أو يدخل هاجماً من أحد الأطراف الجانبية، أو قد يأخذ الصيغة الكلاسيكية، فيستقر في وسطها، ضمن تكوين تقليدي.

أبرز وأهم خصيصة في لوحة الفنان سعد يكن، تعاضد الرسم واللون في مهمة بناء عمارتها التشكيلية والتعبيرية، وهكذا خصيصة تضعنا في مواجهة فنان يمتلك إمكانية الرسام والملون بشكل متكافئ، ما يسعفه بالخروج بلوحة متكاملة البنية التشكيلية والتعبيرية، باتت لصيقة به، لا تدل وتشير إلا عليه، وهو الأمر الذي بات نادراً، في حالة التداخل العجيب التي يعيشها فننا التشكيلي العربي هذه الأيام.

د. محمود شاهين