ثمة محترفون يكتبون بشكل يومي وفي كل الظروف دون أن يكرروا أنفسهم، وثمة كتاب وتشكيليون يزعمون أنهم لا يمكنهم الكتابة أو الرسم إلا في طقوس خاصة يهيئونها لوحي الإبداع، أكان على صعيد المكان أو الزمان أو حتى الحيز الاجتماعي المحيط بهم... وفي عالمنا قصص كثيرة عن «مبدعين » طلقوا نساءهم كونهن لم يستوعبن هذه الهالة الاهليليجية التي تحيط بأزواجهن لحظة تمخض جديدهم..
وقصص غريبة عجيبة عن مبدعين لا يكتبون إلا في قمة الهدوء، أو في آخر الليل، أو في المقاهي والبارات، أو في الطبيعة... وإذا كان الهدوء من أهم العناصر الرئيسية لإنجاح العملية الكتابية، والروائي بحاجة دائمة إلى مكان هادئ يشعر فيه بالوحدة ، مما يدفعه إلى الإبداع والتخيل... فمن أين لنا بغرف مغلفة بالسلوفان ؟؟
الروائي دومينيك فابر يفضل الكتابة في منازل أصدقائه المسافرين، المهم ألا يكتب في منزله المليء بضوضاء زوجته وأطفاله، ويساعده المكان غير المألوف أيضا علي الإلهام والإنتاج، بينما الروائية ليندا سافلير تستطيع الكتابة في أي مكان وتحت أي ظرف، فهي تكتب في المترو وفي الشارع، وأثناء الانتظار في عيادة طبيب الأسنان..
وإذا كان هناك أنواع من الموسيقى تحقق الهدوء للمبدعين ويفضل معظم الروائيين الاستماع أثناء الكتابة إلى الموسيقي الكلاسيكية، فها هي الروائية كارني بادنفلد تعشق الكتابة على صوت موسيقى الراب،انها تهذب نفسها وتملؤها نشوة، وتهزها هزا عنيفا ليصل أبعدها إلى أعماق نفسها بهدوء... ويصل الأمر إلى أبعد من ذلك مع الروائي فرنسوا مورييه الذي ينتظر حتى ينام كل أفراد عائلته، ومن ثم ينطلق إلى ورشته لعزف ساعة كاملة على الجيتار الالكتروني والاسباني قبل البدء في الكتابة..
الشاعر محمود درويش يقول : هي ليست طقوسا، بقدر ما هي تراكم عادات في الكتابة، قد تتحول إلى ما يشبه الطقس، فأنا لا استطيع الكتابة أثناء السفر، ولا استطيع أن اكتب في الليل، ولا استطيع أن اكتب عندما تكون حرارتي النفسية عالية جدا، أو منخفضة ، اكتب في مناخ نفسي معتدل. ومن عاداتي إنني اكتب في الصباح، إذا كان لدي مزاج داخلي في الكتابة...
في الوقت الذي يرى فيه البعض قرب العمل القصصي إلى حد ما من الشعري في عملية إنتاجه، فإن الغالبية يقرون اختلاف العمل الروائي عنهما من حيث الوقت والجهد والمادة المشغول عليها، فثمة التقاط للحظات في غاية الأهمية أثناء حفر الروائي في التاريخ، أو استحضار لنص يشي بدلالات واقعية يبدع الروائي في التقاطها، أو الشغل على شخصيات هامشية تجسد في تناولها عمق الجوانب الإنسانية، أو البحث في الطبيعة البشرية والبعد النفسي والفلسفي للعلاقات الاجتماعية من خلال التقاط نماذج وعقد نفسية والبحث عن أسباب وجود المرض - كما كان يفعل دوستيوفيسكي الذي قال عنه ماركيز : « لم يترك لنا إلا الوصف » - وليس وصف هذا الوجود وحسب.
إن للحظات الإبداع إياها طقوسها النسبية، وللموهوب السبق في ذلك، ولكن الأهم هو تهيئة القدرات لاستقبال ما تم التقاطه والشغل عليه والتعب كي يتمكن المبدع من بلورة عمل متكامل، يوازن مابين المبدع والمعطى، فثمة لقطات رائعة سربها الوعاء الذي انصبت فيه، وأفكار كثيرة حرقها التسرع وضيعها الغرور أو الضحالة.