بلغة شعرية شفيفة وإلقاء مميز لفت انتباه جمهور نادي الشعر باتحاد كتاب وأدباء الإمارات، قدمت الشاعرة الإماراتية زينب عامر مختارات من قصائدها التي تماهت فيها الذكرى بالعاطفة والحكمة، من دون أن تغفل عن جراح فلسطين والعراق، معلنة أنها مواطنة عربية تعيش في هذا المجتمع المقهور عربياً، فحاكت في قصيدتها الأولى (أنشودة السفر)، مواجع السيّاب بلغة انسابت حروفها جزلة وهي تنشد:
ـ عيناك غابة صهيل/ ساعة السفر/ أو شرفتان راح يهمي منهما السهر/ فينفذ الحنين نرجساً/ وتسرح في جداول الكرى وتعبر الصور/ كقصة عرجاء في دفاتر الهوى/ كقصة السحر/ إذا أتى بعطره الرخيم/ في زجاجة نوى/ إذا انكسر/ ويلتقي في ظله الحنون عاشقان/ تلتقي مجرتان يعصف المدى/ بهدب نخلة فيهطل الثمر/ ثمر ثمر ثمر/ بغداد غابة الفرات حين دجلة انكسر/ والقدس شرفة بها السماء تحتضر/ وتعبر الصور.
ولأن ذكرى والدها الطيب ما زالت في وجدانها بعد رحيله، كان لا بد أن تقدم له بعضاً من بوحها ونجواها في قصيدة اختارت لها عنوان (أين الرؤى) قالت فيها:
ـ سبع عجاف/ لا زهور تبعث الأنفاس في قلبي/ ولا انتفضت حقولي بالربيع/ وغاب عنها/ قوس أطياف الرذاذ/ وعندليب قد شدى يوماً على شباك أحلامي/جميعاً قد مضوا/ ومضت عجاف عابثات/ قوتهن مواجعي/ حلم الغرير/ مدينة موصودة/ من يوم أن رحل المساء/ على رفيف مدامعي/ حتى القصائد لم تعد لي موطناً/ عني الوجود مهاجراً/ حيث الذي ملأ الفؤاد غيابه/ يا وحشة الأحداق.
كما لم تنس الحنين وهي تهدي إلى شقيقتها الكبرى سعاد قصيدة (تداعيات من حنين الرمل)، هذه القصيدة التي تصر على تقديمها في كل الأمسيات لتبوح:
ـ ملأت مدامعك الرحيل فهاجت الأمواج/ ترصفني ضفافاً/ تستحيل مواجع الشطآن/ أصداف وأشرعة تلوح ندوبها/ وطني أتيت/ سحائبي جمر/ شموعي من صديد/ ليل أنفاسي صرير شاحب/ وجميع أحلامي عوانس/ يرتقبن سلالة العشاق تحترق السنين/ على أصابعهن عداً.
وبما أننا نعيش في (زمن السوبر ستار وستار أكاديمي)، كان لا بد أن تهدي هذا الزمن قصيدة (مركب ذاهب للغرق) قالت فيها:
ـ ونفح الخزامى غدا كاليتامى/ يتيه بكل بلادي/ ويسري إلى مركب ذاهب للغرق/بلاد الوئام غدت في انسجام/ وفيها العصافير دوماً تغني/ وكل الصقور فيها هوت/ لاحتضار/ لتبعث بعد قليل تغني/ وتنشد كل مساء/ حبيبي على البعد أشكو هيامي/ وكلي قلق. لتتابع في قصيدة (فقاقيع اللقاء) وتنشد:
ـ قم أيها الحلم الصغير/أفق/ فإن مدامعي نخل/ وأشرعة الحنين تلوح في وجدان أنفاسي/ يغادرني الزمان/ فكل ثانية تقد من أرقي حديثاً/ وملامحي في دمي ثكلى/ أتوه مع النسيم/ وجنح أمسيتي صهيل/ يقتفي اثر الخيول.
وقبل أن يفتح باب الحوار مع الحضور ختمت زينب عامر مختاراتها الشعرية بقصيدة عامية بعنوان (رذاذ البوح)، مؤكدة في ردها على سؤال الشاعر محمد الحبسي، إن بداياتها كانت مع الشعر الفصيح، معتبرة الشعر العامي مجرد تجربة قائلة: لا أعتبر نفسي شاعرة عامية، لأن الشاعر الفصيح يستطيع أن يكتب الشعر النبطي على عكس الشاعر النبطي الذي قد لا يفلح في كتابة الفصيح.
فيما تحدث الشاعر نصر بدوان عن جمال الصور واللغة والجملة الشعرية المميزة عند الشاعرة الإماراتية، وتأثرها الواضح بالسيّاب، إلى جانب الإلقاء الجيد قائلاً في نهاية مداخلته أننا أمام شاعرة جيدة.
ووصفت الشاعرة الإماراتية جميلة الرويحي، الأمسية بالمغناة التي أخذتنا بين قوافيها وصورها، فعرفنا من هي زينب عامر من خلال قصائدها، متسائلة عن تجربتها الصحافية وكيف يكون الصحافي أميناً على الكلمة التي ينشرها، كذلك عن مشاكل النشر عبر (الإنترنت) كمسؤولة أدبية في أحد المواقع الأدبية ورأيها بالأخطاء الواردة في القصائد التي تنشر، متمنية أن نطالع ديواناً شعرياً يحمل توقيعها.
فيما أكد د.إبراهيم الوحش أن الإنترنت لا يمكن أن يصنع شاعراً حقيقياً، مقارناً بين موقع الشاعر قاسم حداد وبعض المواقع الشعرية التي وصفها بمواقع المراهقين وتلاميذ المدارس، متسائلاً في معرض تقييمه للقصائد المقدمة:
ـ لا أدري هل هي محاكاة أم تناص أم تلاص، وأين روح الشاعرة في القصيدة الأولى؟ هل هي تركيبية أم الشعر يخرج من روح الشاعر، في حين نرى أنها عندما وضعت الإهداء فقد قطعت الطريق على المتلقي، فنحن نعرف أن الشعر من مخيلة الشاعر يقدم نفسه للمستمع دون مقدمات.
في حين عارض عبد الرزاق درباس مقدم الأمسية ما قاله د.الوحش، قائلاً ان هناك كثيرا من الشعراء حاكوا قصائد معروفة للشعراء، إن من حيث الوزن أو القافية وحتى الموضوع، وكانت محاكاتهم ناجحة بمقدار ما أعطوا لها من ذاتهم، لأن المحاكاة ليست صورة طبق الأصل، أما من ناحية الإهداء فهذا شيء يخص المبدع، ولا مانع أن نتذوقه كمتلقين، نحلق معه في الأجواء. فيما تحفظت الشاعرة والزميلة الصحافية في جريدة الخليج- مكتب أبوظبي، على كلمة التلاص مؤكدة أن قصيدتها (أنشودة السفر)، هي محاكاة لقصيدة السيّاب في البيتين الأوليين فقط ، وقد أشارت إلى ذلك بوضعهما بين قوسين، فيما باقي الأبيات ليس فيها محاكاة، من منطلق أن يستدعي الشاعر ذخيرته وذاكرته يدخل من خلال هذا المدخل البسيط إلى أجواء قصيدته، فالسياب تكلم عن العراق وعن تجربة إنسانية خاصة به.
أنس الأموي
