تنظم صالة «آرت سبيس» في فندق فيرمونت بدبي، تمام السابعة والنصف من مساء غد معرضاً للفنان السوري منير الشعراني، يضم نحو خمسة وثلاثين عملا من جديد الفنان الذي عودنا على تجديد شخصيته متكئاً على قاعدة راسخة من الأصول الكلاسيكية التي اكتسبها من دراسته الأكاديمية، ودراسة بالغة العمق والجدية لأصول وقواعد الخط العربي وروحه، تلقاها من كبار أساتذة الخط في الوطن العربي،
وبعدما تمكن من السيطرة الكاملة على أدواته راح يعلن عن رسالة بالغة الدقة والصعوبة في عصر التحديات،وهي إحياء فن أصيل تكاد تردمه عجلة التيارات المتسارعة، وإيجاد أسلوب تعبيري، ولغة تشكيلية، لهما من الإمكانات ما يؤهلهما للمنافسة والتجديد، ويجعل النقاد يؤكدون على أنه يقف خارج الاتجاه الحرفي في التجربة التشكيلية العربية،
كما أنه يقف خارج كوكبة الخطاطين الذين يجودون الخطوط التقليدية ويكررونها، فمن يتابع عمله يدرك أن بحثه يتركز على تقديم قطعة خط عربية جديدة، تستجيب للمتطلبات الجمالية الحديثة، ولا تقطع الصلة مع إرثنا الخطي، فهي تعتبر نفسها امتداداً عصرياً لإضاءات الماضي.
ويؤكد النقاد أيضاً أنه لم ينظر إلى تراثنا ككيان مقدس لا يجوز المساس به، ولا ككيان كامل لا يمكن الإضافة إليه والحذف منه، ومن هنا يظهر تعامله معه من مطلق الحاجة الجمالية، فهو يطوعه حسب المتطلبات الجرافيكية للتكوين الحديث، وهو في حذفه وإضافته يحترم روح الخطوط وفرادة كل منها.
إن الشعراني يريد للخط أن يتحول إلى قطعة فنية حديثة، لذلك لا يريد لها أن تظل حبيسة قدسيتها القديمة، وهو لهذا السبب لا يستخدم جملاً تواكلية ممطوطة تعود إلى عهود الكسل والانحطاط، بل يختار عبارات تمس حياة البشر وتحرض طاقاتهم وخيالاتهم. وإمعاناً في كسر هالة القداسة التقليدية، يلجأ إلى ألوان من مختلف الدرجات الحارة والباردة، لتأكيد خروجه عن طوق الأقدمين.
وقال عنه الأديب الإماراتي محمد المر في تقديمه لكتابه إن «عظمة المساهمة الفنيّة للفنان منير الشعراني جاءت بعد معاناة إنسانية كبرى، للتغلب على كل العقبات والصعوبات والمطبات التي اعترضت مسيرته الإنسانية والفنية، وتعكس أعماله الإبداعية المميزة، روحاً إنسانية مكافحة، وأصالة فنية نادرة، وكلما تأملنا جمالياتها المتعددة والمركبة والمتباينة، تذكرنا قول الشاعر كيتس: الشيء الجميل غبطة أزلية، فتنة تزداد ولن تتلاشى أبداً».
وتحت عنوان«عكس التيار... الذهاب إلى المنبع» قدم الفنان التشكيلي السوري يوسف عبدلكي زميل الشعراني في كلية الفنون، والمتابع الدؤوب لتجاربه، قدم دراسة معمقة وموسعة، حول تجربة الفنان الشعراني. مؤكداً أنه «دقيق، صارمٌ، ممتعٌ، ومتقشف» ، هذا هو منير الشعراني. لا تستطيع النظرة الأولى أن تكشف كنهه، لكن المزيد من الفرجة، تبدأ العين بتبيّن متانة عمله، ومهارته في إخفاء ألاعيبه الغرافيكيّة.
في كل الفنون ليس سهلاً البناء على ما تم، السهل هو اجترار إنجازات السابقين. في الخط العربي الأمر أكثر صعوبة، ليس فقط بسبب علو هامة الإنجازات القديمة، وليس بتأثير ركود البنية الإقطاعيّة وثقل تقاليدها الأخلاقية والثقافية وحسب، بل ولعلاقة الخط العربي بالنص المقدس.ويرى الفنان عبدلكي أن ما يعطي أعمال الشعراني قوتها الكبيرة، هو ابتعادها عن المعاني التقليدية من النصوص المتوارثة، وقبل ذلك متانتها الغرافيكيّة.
ففي أعماله لا نجد التصميمات التقليدية للخط، بل تكوينات جديدة، متراكبة، متناغمة، متعاكسة، تحاور فيها الكتل الصغيرة الكتل الكبيرة، والامتشاقات العمودية، السيلانات الأفقية، والأقواس المتلاففة، المتوازيات الهندسية. وحصر التصميم في دائرة أو مربع أو معين، ثم كسر ذلك الربط بين الكتلة ومحيطها الواسع. كل ذلك يعطينا متعة جديدة، ويطرح أسئلة بصرية قلما رأيناها في أعمال التقليديين.
ويشير عبدلكي إلى أن الشعراني لم يعمل على المبنى فقط، بل عمل على المعنى أيضاً، فحاول أن يشتغل على معان جديدة، تتصل بحياتنا المعاصرة بأوثق الصلات، عبارات تؤكد على قيم العمل، وحرية التبصر، والنقد، والتسامح. والشعراني يستند على الخطوط العربية التقليديّة، فلم يعمد إلى الشطح السهل الذي رأيناه لدى بعض الخطاطين من متسرعي التجديد.
ولد منير الشعراني في مدينة السلمية عام 1952 تتلمذ منذ فتوته على يد كبير خطاطي الشام بدوي الديراني، وعمل خطاطا لفترة من الزمن قبل أن يدرس التصميم الغرافيكي في كلية الفنون الجميلة بدمشق، ويتخرج عام 1977 لكنه في أواخر السبعينات غادر مضطرا سوريا وتنقل ما بين بيروت وقبرص وتونس والقاهرة حتى أوائل العام الحالي،
وأثناء تنقله عمل مصمماً للكتب والمطبوعات، وكتب في النقد الفني والفن العربي الإسلامي، كذلك شارك كمستشار فني في أعمال الموسوعة العربية العالمية، وكتب مداخل الخط العربي وأعلامه فيها.. أدار العديد من ورشات الخط، وأقام نحو ثمانية عشر معرضا فرديا في عدد من الدول العربية والغربية.
وقد حاول عبر تجربته الطويلة هذه أن يوازن بين أصول وقواعد الخط العربي وأصول الفن التشكيلي الحديث في لوحة خطية معاصرة تمتلك خصوصية البناء والأداء، لتصل إحدى حالات التجلي والإشراق التي يستشعرها وجدان الفنان، ويحاول بعثها في أعماق المتلقي.
محمود أبوحامد
