* إذا أردنا أن نعرف علّتنا في الرياضة، فيجب أن نعرف أثر الجماعة على الفرد وهو ضروري جداً باعتبار أن تميُّز أفراد المجتمع ينعكس مباشرة على تميُّز وتألق المجتمع بكامله؛ ولعل أفضل ما قرأت واختصرت حالة الصراع بين الفرد وسطوة الجماعة في تسيير الأفراد وعدم استقلالهم، رواية توفيق الحكيم «نهر الجنون»

حيث قدمت الرواية المشهد من خلال الشخص الذي كان يشرب من ذلك النهر، فيُصاب بلوثة تجعله يبدو غريباً في نظر المجتمع فيهزأ منه وينبذه الجميع باعتباره متخلفاً؛ ولكن بمرور الوقت تزايد عدد الشاربين المجانين وتناقص عدد العقلاء وبشكل سريع انقلبت الصورة فأصبح العقلاء قلَّة تعرَّضت للسخرية من الأكثرية المجنونة التي كانت تنظر إلى هذه الأقلية على أنها شاذة،

وتطوَّر الوضع حتى لم يبق سوى شخص واحد فكان يأبى على نفسه أن يشرب من النهر حتى لا يفقد عقله وتميُّزه وعاش ذلك الفرد مغترباً في مجتمعه ولم يجد في نهاية الأمر إلا أن يشرب من ذلك النهر فيلتحق بالمجتمع الذي ينتمي ولا ينتمي إليه.

* والسؤال هنا: كيف تهيمن الجماعة على الفرد وتسحقه حتى يصبح من الكائنات الداجنة؟ أي ضمن أفراد مجتمع الطاعة مستر Yes؟ وفي واقعنا الرياضي هناك ثلاث صور للتأثير على الفرد بحيث يتخلى عن أفكاره ورؤيته ويدخل ضمن أفراد مجتمع الطاعة مستر Yes

* الصورة الأولى هي صورة الإغواء والإغراء وهي صورة واضحة وضوح الشمس في مجتمعنا الرياضي، فالشهرة والمنصب والفيلا والسيارة والأرض التجارية وغير ذلك هي حافز قد يدفع الكثير للتخلي عن آرائهم ومبادئهم ومسايرة الجماعة للوصول إلى وضع اجتماعي متميز يوفر لهم الكثير من الوقت والجهد والمعاناة، ولو استمر على رأيه ومبادئه قد لا يصل إلى ما يصبو إليه.

* أما الصورة الثانية، فهي صورة حيّة تبيِّن شخصية الإنسان المقهور وهي انعكاس لنتائج الاستبداد والإكراه وهذا يمثل على المستوى الفكري والنفسي خطورة كبيرة، حيث يبتر الإنسان فيها تفكيره فيتحقق بذلك الدمج والخضوع القهري مع عقلية القطيع وهي صورة عشتها شخصياً وعاشها كثيرون غيري وسيعيشها آخرون مادام هناك رأي فردي ورأي مستبد آخر للجماعة متضادان

وهذه الصورة رافقتني في مجال عملي وكذلك في حياتي الرياضية وفي جميع أفرعها ومناحيها وهي صورة حيّة لكل من يرفض أن ينقاد مع فكر الجماعة، فلا بد أن يُبعد أو يُبتر وهي صورة واضحة لكل من ابتعد عن العمل الجماعي وخاصة التطوعي منه وأعرف الكثير من الأصدقاء الرافضين للانقياد مع عقلية القطيع وقد بُتروا عن مجالهم، أما عملية الانقياد فهي سهلة ولا تحتاج إلا أن يتخلى الإنسان عن كل رأي أو فكر فردي غير مرغوب فيه وأن يمشي مع التيار ويصبح مستر Yes.*

* والصورة الثالثة والتي تنشأ داخل المجتمع وتؤثر فيها العادات والتقاليد فمن ينظر بعين مبصرة لواقعنا الرياضي يلتمس أن هناك خللا في أسلوب التواصل داخل هذا المجتمع الصغير، فهناك من يميل إلى المجاملة والنفاق أو من هو عكس ذلك تماماً وهو الابتعاد والعزلة بينما التعامل مع الناس يتم وفق درجات معينة أقصاها هو التعبير عن الرأي بحرية ولكن منع التعبير عن الذات قد يشكل شذوذاً أو كبتاً في السلوك داخل المجتمع

ولذلك فالطفل يُربى على فضيلة الطاعة والتي تشكل نوعاً من الاستسلام يستقر في سلوك النشء فينتج عنه عدم القدرة في التعبير عن ذواتهم وتستكمل هذه الصورة من خلال ثقافة الشارع والمجلس والمدرسة والنادي وجميع هذه بنت حواجز نفسية تشكلت عبر فترات زمنية متلاحقة فتعذر معها أدب الاعتراض في جميع المستويات وهي صورة نراها واضحة في مكافأة الولد المطيع والطالب الأبله الصامت في المدرسة.

* الصورة الأولى والتي ينقاد فيها الشخص ذاتياً أما الثانية فيتم فيها الانقياد إجبارياً أو الابتعاد والعزلة، أما الصورة الأخيرة، فالعادات والتقاليد وسائر مؤسسات المجتمع التي ينتقل بينها الإنسان تقوده إلى الانقياد مع الجماعة (مستر Yes) كل هذا خلق كفاءات متشابهة في السلوك والطباع كأنهم مستنسخين من النعجة دولّي وهذا هو ما يريده الحرس القديم حتى تبقى مناصبهم وشهرتهم إلى ما لانهاية، فهل نستسلم وتستمر عملية الاستنساخ ويصبح تغير الحال من المحال، أم نتمرد على واقع مغلوط ونصحح أوضاع زماننا ونكون نحن رجاله.