لمَ نكتب عن الأحزان وننسى معنى الفرح الساكن في أرواحنا؟ ذلك الفرح القادر على تحريك مشاعرنا دفعة واحدة ونحن نستقبل مرة في العمر غالياً بعد غياب، يعيد لنا ألق العمر الضائع في متاهات السنين، أو عندما تزف إلينا بشرى نجاح أو أمنية طال انتظارها، تهب علينا بلسماً، تغسل أرواحنا، ببرد الوصال وصوفيّة اللقاء.. فما بين عودة غائب غالٍ وتحقيق أمنيات، عمر يسرح بنا رتيباً، هادئاً، يعاند كل لحظات الصمت المعلّقة على أوتار قلوبنا، فيغلب الحزن ألوان عرائشنا، وتستوحش حروفنا التي قدّت من الصبر، وتغدو كلماتنا رجع صدى لما عشناه من أوقات عصيبة لا نتمناها لأحد.
مع أن الفرح كائن جميل، يناغي ويناجي أحلامنا الصغيرة، لنهرع إليه شوقاً ورغبة، نحاكي به حمائم النفوس الرهيفة، ونركن معه إلى حقول خيالات الأرواح التي سيّجت ـ رغماً عنها حيناً وطمعاً منها أحياناً كثيرة ـ بالرغبات الحمقاء، الساخرة، المتعثرة بأبسط النوائب، لنعود ونلوذ بالحزن من جديد.
وبدلاً من هذا كله، لمَ لا نتمنى لهذا الفرح أن يكبر ويغدو يافعاً مورقاً بالأمل، بعد كل هذا الصبر وهذا الانتظار؟ ولمَ نصّر على رسم نهاية تراجيدية لا تليق بهذا الملاك المزنّر بكل التراتيل والصلوات في ساعات السحر، مع تهجد النسّاك، العارفين، الزاهدين في محاريب العمر الهارب من رعشة أكفنا المبسوطة بالدعاء؟
ألأننا حقاً نهوى الأسى، ونذوب فيه عشقاً حتى أمسينا ندانيه منا رفيقاً وخليلاً وسميراً، نشتاق إليه إن غاب عنا برهة ليعود أشد مما كان؟ أم لأننا خبرنا الحزن جيداً فاستقر في مواويلنا وأهازيجنا وثقافة أهلنا، ولم نعد نألف معه الفرح في مواسمه القليلة؟ فتبارى شعراؤنا ومبدعونا في وصف محاسنه والتغزل به حتى أصبح بديلاً عن كل المسرات التي تبهج القلب وما أقلّها، وكأننا لم نخلق إلا للأحزان وما أكثرها، فاستسلمنا لكل ريح هوجاء ولم نعد قادرين حتى على وصف ما هو نقيض لكل ما تعودناه على مرّ المحن والأهوال.
أليس من حقنا أن نسأل سؤالاً واحداً قد لا نجد له جواباً طول العمر.. لمَ نبتدع الصمت في مواسم الكلام، ونصرّ على رسم أيامنا بألوان رمادية نتفنن في عرض تدرجاتها في كل المناسبات، من دون أن نشعر لبرهة، أننا نحرم أنفسنا من أحلى اللحظات التي سندرك قيمتها بعد ربيع سيهرب منا،
بعد أن أخطأ في العنوان، كما اختلطت من قبله فصول العمر وتماهت في فصل هادئ، رتيب، أطال المكوث طويلاً حتى اعتدنا عليه، في وقت يجب أن نسرع ونفتح دياجير أرواحنا قبل أن يرحل الفرح إلى غير رجعة، ويضيف الذكريات إلى مدونة أيامنا العابرة، المليئة حتماً، بالعابرين، المسافرين، بين نبض الروح وهفيف المشاعر؟ .