اختتمت مساء أول من أمس فعاليات الدورة العاشرة لجائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري «شوقي ولامارتين» التي أقيمت في العاصمة الفرنسية باريس من الفترة 31 أكتوبر إلى 2 نوفمبر 2006، والتي اشتملت على ندوتين رئيسيتين عن حوار الحضارات والمحور المشترك الحضاري الثقافي العربي والفرنسي.
وقد حضر الدورة أكثر من 400 مدعو من كل أنحاء العالم شكلوا مشهداً تمازجياً في صورة العالم حيث رجال دين مسلمون ومسيحيون ويهود يجلسون إلى جانب بعضهم البعض، وحيث مفكرون من مختلف التيارات الفكرية يناقشون أفكاراً تنويرية تعيد إلى البشرية صورة التقبل والتسامح التي دمرتها أحداث الحادي عشر من سبتمبر. تكريم المستعرب الفرنسي اندريه ميكيل كان من الأحداث البارزة خلال الدورة، فقد اشتغل هذا المستعرب طيلة خمسين عاما على تقريب المسافة بين الشرق والغرب عبر ترجمات كلاسيكية منها «ألف ليلة وليلة» و «كليلة ودمنة» وديوان «مجنون ليلى» إضافة إلى ترجمات معاصرة لنجيب محفوظ وبدر شاكر السياب وغيرهما.احتفالية البابطين لم تقتصر على الأدب والشعر فقط، بل تعددتهما إلى الغناء والفنون الشعبية التي أقيمت في معهد العالم العربي، بينما اقيمت الندوات والتكريم في اليونسكو.
تظاهرة الاحتفالية كان لها أبعادها الثقافية خاصة أنها كانت مشتركة مع اليونسكو «منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة» ومعهد العالم العربي في باريس الذي يمثل جسر تواصل بين الوطن العربي وفرنسا، بالإضافة إلى المحاولات الجادة للانفتاح على العالم الغربي من خلال استضافة ثقافة العرب طيلة سنوات.
وقد أصدرت مؤسسة البابطين سبعة عشر كتابا فكرياً وأدبيا بمناسبة انعقاد هذه الدورة معظمها عن الفونس دو لاماتيين وأحمد شوقي وأبرزها «شوقي في عيون معاصريه» و«أحمد شوقي صور ووثائق» و «شعر لا مارتين ترجمة عربية» و «حياة محمد» وهو أحد أبرز كتب الفونس دو لامارتين عن شخصية الرسول محمد «صلى الله عليه وسلم»، والذي طبع أكثر من مرة في عدة مناطق من العالم.
ويحمل الكتاب نظرة موضوعية إلى شخصية الرسول الكريم والأجواء المحيطة به آنذاك وتضمن الكتاب ثبتاً بالمراجع والمصادر التي تم الاعتماد عليها. كما لم تقتصر احتفالية البابطين على الجانب الأدبي، كذلك كانت الشخصيات الحاضرة للاحتفالية من سياسيين وغيرهم، حيث محمد خاتمي وعمرو موسى وممثل البابا والمدير العام لليونسكو كوتشير وماتسورا بالإضافة إلى شخصيات روحية يمثلون طيفاً واسعاً للعقائد حول العالم،
وكذلك عدد كبير من المستشرقين والمستعربين والمترجمين والأكاديميين ومفكرين كبار أمثال باسكال بونيفاس وجون بول دومارنيه وغيرهم. وحضر الاحتفالية أيضاً ما يفوق العشرين إعلامياً يمثلون ما هو مقروء ومكتوب ومرئي في الصحافة العربية والعالمية، وقد تحولت ردهات اليونسكو صباحاً إلى رواق ثقافي جرت على هامشه لقاءات بين كتاب ومفكرين ومترجمين، كما تحولت ردهات معهد العالم العربي مساء إلى طقس تعارفي ضم المهتمين في جانب الفنون والثقافة.
دورة البابطين العاشرة في باريس هي الثانية من حيث جغرافيتها، حيث عقدت الأولى في قرطبة عام 2004 وتجري تكهنات كثيرة حول العاصمة المقبلة التي ستعقد فيها الدورة الحادية عشرة للجائزة، وتذهب الآراء إلى عقدها في دمشق تكريماً للراحل نزار قباني، أو في اليمن تكريماً للبردوني، ولربما كانت في دولة اسكندنافية لتعزيز توجه الجائزة إلى تجسير المسافات بين الشرق والغرب، ولكنها.. تكهنات فقط.
كلمة المستعرب أندريه ميكيل خلال حفل التكريم
أنا متشرف جداً بهذه الكلمات والتهاني، ولكن يبقى سؤال أساسي: هي أنا أهلٌ لها؟ لا أستطيع أن أجيب شيئاً سوى أنني اشتغلت... اشتغلت ـ خمسين عاماً ـ بدراسة الحضارة العربية الإسلامية وآدابها وقدمتها لمواطني. في الحلقة الثالثة من عمري أخذني عشق هذه اللغة فأنعمت علي بسعادات كثيرة ثابتة وخاصة عند المحاورات بينها وبين لغتي أو لغات أخرى. والآن شيئاً فشيئاً تتركني هذه الخليلة فتبخل علي بكلماتها
ولكن لا تقدر أن تقتلع عني ذكرى هذه القراءات والبحوث والتراجم والمحاورات بين شعرائها وشعرائي والرحلات على خطوات المسافرين والجغرافيين. بالاختصار ـ تبقى لي ـ في مساء حياتي وفي مكاني المتواضع ذكرى السعي لتعارف الحضارات والسلام، هذا السعي لا بد منه في زماننا الحاضر.
باريس ـ حسين درويش

