بالتأكيد الياء أداة نداء والقدس منادى... لكن ما دلالة هذا النداء ومعانيه القديمة والمستجدة؟
بعيداً عن السياسة، يبدو أن فيروز هي الوحيدة على الصعيد الفني التي مازالت صرختها «يا قدس» تدوي في أرجاء الوطن العربي وضمائر شعوبه، على إيقاع أجراس العودة.. وما عداها، نادراً ما نجد عملاً إبداعياً عربياً يتحدث عن القدس.. وللأسف جاءت صرخة «ياقدس» الآن من المخرج اليهودي الفرنسي إيلي شوراكي عبر فيلمه المأخوذ عن كتاب يحمل العنوان نفسه.
وهو كتاب تاريخي صدر عام 1972 وتجاوزت مبيعاته حينها ثلاثين مليون نسخة، اشتغل عليه مؤلفاه الفرنسيان دومينيك لابيير، ولاري كولنز، لمدة خمس سنوات، ركزا فيه على وجهة النظر اليهودية في الصراع العربي الإسرائيلي منذ العام 1947، وبينا أن تأسيس دولة إسرائيل نتاج معجزة التنظيم الرائع للحركة الصهيونية..
الفيلم تمويل فرنسي، بريطاني، ايطالي، يوناني، وإسرائيلي.. تكلفته الإجمالية وصلت إلى خمسة وعشرين مليون دولار.. يعرض حالياً في صالات أوروبا، وتتناوله الصحف هناك من الناحية الإخراجية والسياسية، بينما نحن نتلحف صمتنا في محطات الانتظار..
الفيلم يدور موضوعه حول تأسيس دولة إسرائيل، ويتعمد تشويه التاريخ وقلب سرد الأحداث لتقديم اليهود على أنهم ضحايا حرب الاستقلال الإسرائيلي بموت ستة آلاف منهم..
أما بخصوص المجازر الدموية البشعة التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني، فالفيلم يصور عصابة «شتيرن» التي قامت بمذبحة دير ياسين بأنها عصابة من الرجال الأشرار، كنسخة يهودية من تنظيم القاعدة، تختلف تمام الاختلاف عن الغالبية العظمى من الجيش الإسرائيلي المؤلف من محاربين شباب من ذوي القيم العالية..
ويظهر الفيلم امرأة فلسطينية تتلقى العلاج على يد جندي إسرائيلي، لكنه لم يوضح أبداً أن دير ياسين واحدة من قرى كثيرة اغتصبت نساؤها وذبح سكانها دون تمييز بين طفل وشيخ..
وقد تعرض الفيلم للهجوم من الناحية الإخراجية والسياسية وقلبه للحقائق التاريخية، ومن بين الذين تناولوه بالنقد اللاذع الكاتب البريطاني روبرت فيسك ، حيث نشر في صحيفة الاندبندنت تعليقاً مطولا عن الفيلم، تحت عنوان «نحن جميعاً حجبت عنا الحقيقة» وضح فيه ان الفيلم لم يصور المذابح بوضعها الحقيقي، مستنداً على أقوال لمؤرخين إسرائيليين جدد، كشفوا النقاب عن أن المذابح حققت أغراض إسرائيل في تشريد أكثر من ثمانمئة ألف فلسطيني، وخص بالذكر«آفي شليم» الذي اعتبر بكل شجاعة تلك الفترة، فترة تطهير عرقي..
وأكد الكاتب فيسك أن الفيلم يشوه الحقائق التاريخية، وأن العرب ليسوا هم السبب في اندلاع الحرب، والفلسطينيين لم يخرجوا من ديارهم بسبب الدعاية العربية.. فالفيلم في نهايته يعتبر أن مغادرة الفلسطينيين لبيوتهم كان بسبب أن الأنظمة العربية طلبت منهم عبر إذاعاتها المغادرة حتى يلقون اليهود في البحر، وهذه الخاتمة إضافة من صناع الفيلم، لأنها غير موجودة أصلا في الكتاب..
هذا الفيلم يثير الرعب من المستقبل حقاً... فبينما لايزال الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني الذين غادروا بيوتهم عام 1948 شاهدا حياً وحقيقياً على الأحداث، يتم تزوير تاريخهم أمام أعينهم، فكيف سيكون الوضع في المستقبل القريب؟ القريب، لأنه بعد نحو عشر سنوات لن يبقى أي من الذين يتذكرون تلك الأحداث على قيد الحياة.. وهنا تلح من جديد وبشكل ضروري مسألة تدوين ذاكرتهم الجمعية، عبر الأفراد والمؤسسات، ومن استطاع لذلك سبيلا...