هل يمكن لغرفة ما، في مشفى ما، يغفو قرب وريد النيل أن تفيض بالشعر وبمدائن الشعر المخزونة في ذاكرة الكتابة العربية الصادقة، من خلف جدران تنطق بالكلمات وسرير يصهل بانطفاء المحارب وابتداء خيبة الفرح المرصود في مملكة القصائد، أمل دنقل ( 1940 - 1983 ) حاضراً في الغياب.
وفي الفناء وعلى أذرعة الشعر المفتون بالموت ومفازات القهر والجرح والعذوبة الموزعة من بين يديه الحالمتين كشمس من طفولة الأمل المقذوف من بسملة المنكوبين على دكة الحزن وأنباء وصايا الفلاحين المغسولين من براءتهم في معترك العاصمة الحديدي والحاملين من جنات طفولتهم أزهار نواعير الدفق الكوني العالقة بخيط القصيدة حين تنسج ثيابها في جسد الكلام.
رحلة من عذاب شقي وحنجرة أطفأت ماءها في سيول الوجع، فكان الجنوبي آخر أوراقه المشتعلة ،آخر موتاه، وآخر صرخة شعر ترملت فوق عش القصيدة، نعش من قصائد اللذة والقهر والمحبة والانشطار أو كفن من دموع اليباس والمكابدة والتحرر في أشهر من الرقاد الطويل فوق سرير التعب، وجفون مسرته الغائبة غادرت قحط دقائقها الثقيلة، فلونت جدران غرفته الثامنة بقسوة الخلاص وطقس الفجيعة، بعيداً عن دم الحياة المتوقد من هواء الكتابة وعن مواسم المحبة والطفولة والأمل في أسوان صعيد النيل ،غياب خلف ملح الغياب ومسيرة من الملح والبياض والتشقق على جسد القضية ورمادها الإنساني المشتعل، قضيته الكبرى في إنسة الشعر، إنسنة الروح ، إنسنة الأمكنة.
((من أقاصي الجنوب أتى، عاملاً للبناء
كان يصعد ( سقالة) ويغني لهذا الفضاء
كنت أجلس خارج مقهى قريب، وبالأعين الشاردة
كنت أقرأ نصف الصحيفة، والنصف أخفي به وسخ المائدة
لم أجد غير عينين لا تبصران .. وخيط الدماء
وانحنيت عليه .. أجس يديه
قال آخر : لا فائدة
صار نصف الصحيفة كل الغطاء وأنا .. في العراء ))
وكأن اجتراحاً أسطورياً لبوصلة ابتسامته الغائبة قد أضاعت في دساتير السعادة وجه منشدها وارتضت بخارطة من شقاء باسل وعنيد وتلاحماً مصيرياً مع ضفة الموت الصديقة، فكان أمل دنقل حاضراً في الزمن الشعري لقصيدة الحرية والمكان الشعري لقصيدة الحياة، بردائه الريفي البسيط وتمرده النيزكي العذب وابتسامته الطليقة كالريح وكبرياء الخيول الجريحة.
في لغة تخترق المألوف وتقتص منه عبر أعاصير كلماته المكتظة بكل لذائذ الصبر وجذوع الحكمة وفحوى المصير من ذلك التناسل المكثف والمضيء لقاهريات الحلم والوجع التي زخرفتها على روحه البعيدة أزاميل تمرده البريء وعزلته العصامية الموحشة، فخلف قصيدة الجنوبي ثمة قصيدة أخرى تبصرنا ولا نبصرها، إلا بعد أن نذرف في طقس القراءة والتأمل فصولاً من إنسانيتنا المبعثرة، وحقولاً من خلايا طيبتنا، لنتوحد مع تلك اللقطات الإنسانية العظيمة تلاحماً مصيرياً مع مأزقها التراجيدي الذي نستطيع أن نصل من خلاله إلى قصيدتنا.
قصيدتنا الإنسانية المنيرة المؤلمة، بكل تفاصيلها ومكابداتها وتجلياتها المحمولة على أكتف أبطاله الكادحين، فكان يقول كلمته بعيداً عن أوصال التردد وقيد السكوت ونكسة القلب المتورم من نصال الهزيمة فكان يردد دائماً ( أنت أن سكت مت، وأن نطقت مت، فقلها ومت ).
ففي آخر ما كتب ومن ورقته الأخيرة المدهشة التي جاءت بعنوان (الجنوبي) هذه القصيدة المحفورة بكل أنياب العذاب وسنواته القاسية، وبمحاكاة الموت وقوفاً عبر حواريات الفقد والحقيقة وأوجه الحلم الغائبة، وبكل جدليات الحياة وخيباتها وجمالياتها المأخوذة من بين ذراعيه والمنطلقة كصباح طاهر من نصوصه العابرة للقلب وللغياب وللتأمل والانكشاف في مسامات الفؤاد الراقد في رئة الأحياء الموتى الذين يتنفسهم هناك رغم جداريات البرزخ الذي لطالما حاصره وحيداً، البرزخ المنتصب حول غرفته الثامنة، أربع جدران بيضاء وسرير أورثه الموت وشمس التعب، فطاف به إلى هناك.
حيث الطمأنينة وبساتينها الناطقة بالبراءة والهدوء وهو يحاور الطفلة (أسماء) ابنة صديقه الذي رحل قبله، الروائي يحيى الطاهر عبدالله، صاحب رواية (الطوق والأسورة) ينشد أمل دنقل محاوراً الطفلة أسماء قائلاً:
(( ليت أسماء تعرف أن أباها صعد
لم يمت.. هل يموت الذي يحيا
كأن الحياة أبد .. وكأن الشراب نفد
وكأن النساء الجميلات يمشين فوق الزبد
عاش منتصباً، بينما ينحني القلب يبحث عما فقد
ليت أسماء تعرف أن أباها الذي
حفظ الحب والأصدقاء تصاويره.. وهو يضحك
وهو يفكر،، وهو يفتش عما يقيم الأود
ليت أسماء تعرف أن البنات الجميلات ..
خبأنه بين أوراقهن، وعلمنه أن يسير..
ولا يلتقي بأحد))
أن أمل دنقل الشاعر المخدر بالحب وبالإنسان وبالقصيدة المطمئنة، والمنبعث من أساطير الكتابات الأولى لنشوة تربته الفاضلة والعنيدة، ليبقى شاعراً مجدداً في خاصرة الحرية وعلى متون القول الشعري الخالص الذي نشتهي أن نقوله دائماً، وليرحل بعيداً بقارب طفولته القصبي عن سرير وحدته في مشفى المعهد القومي للأورام في القاهرة، حيث فاضت روحه هناك، قرب الضفة الأجمل من نيل الإبداع، هطولاً أخيراً لقصائد محنته الدافئة على طمأنينة المحارب الذي نسي خارطة فؤاده في أعين الكادحين وعلى دم الشعر هناك، حيث أوراق غرفته الثامنة .
قاسم سعودي
