«إن النهايات العبثية لأبناء الأرض ـ أياً كان دينهم أو جنسهم أو عرقهم ـ لتدمي قلبي وتجعلني أنوء بحزني، لأن هؤلاء الأبناء هم فرح الأرض وملحها ونور العالم» بهذه الكلمات وصف الشاعر والأديب الإماراتي محمد بن أحمد خليفة السويدي المشهد الإنساني التراجيدي الذي تمر به أغلب مناطق العالم في ظل الصدام والعنف والأقنعة التي تخفي أبشع ما مرت به البشرية من أزمنة،

وأضاف السويدي الذي أسس ورعى «دارة السويدي» التي يفيء بظلالها مئات من المثقفين العرب والأجانب: «إن الصورتين اللتين ينظر إلينا العالم من خلالهما، وأعني الراديكالية الإسلامية وعالم ألف ليلة وليلة والليالي الحمراء، ليس نحن، فنحن لنا خصوصيتنا ولنا ما يميزنا وفي تنوع حضارتنا ما يغني التجربة الإنسانية، وفي مجتمعنا العربي والإسلامي غنيً ينبغي إبرازه وإن خالفني بعض المثقفين الذين لا يرون لهذه الأمة من فضل ـ على العكس تماماًـ لهذه الأمة فضل على الإنسانية منذ أن ظهرت على وجه الأرض، وحسبنا أننا صدرنا للعالم الأديان الثلاثة» وهذا بعض مما جاء في الحوار مع الشاعر محمد السويدي:

* أعلنتم مؤخراً عن منح جائزة سنوية لشخصية ثقافية كتبت في ميدان الرحلة؛ نود أن نعرف أكثر عن تفاصيل هذه الجائزة؟

ـ تأتي هذه الجائزة في إطار توجه محدد لـ «دارة السويدي الثقافية» التي بدأت تخرج من الجغرافية العربية إلى جغرافيا العالم، وذلك من خلال الاهتمام بالمؤسسات والأفراد الذين يمدون جسوراً بين الشرق والغرب، وبدأنا نلتفت إلى كتّاب الرحلة الذين يمدون جسور الحوار الحضاري بين الشرق والغرب،

في زمن بدأ يعلو فيه صوت الصدام والعنف على صوت السلام والعقل، ونعتقد أن الجائزة خرجت من مجرد كونها «جائزة للرحلة» لتصبح فعلاً ثقافياً يحمل بعداً إنسانياً أكبر وأكثر اتساعاً يتمثل في الانتباه إلى الأقلام التي تنصف الشرق وتتحدث عنه بحيادية، وتحاول أن تجلو مواطن الجمال لا القبح فيه، لاسيما وأن الجائزة مفتوحة لجميع الجنسيات.

* هناك توقعات بنقل الدورة القادمة من ارتياد الآفاق إلى الصين؛ لماذا الصين تحديداً؟

ـ احتفلت الصين قريباً بإحياء الذكرى الستمائة لرحلات «تشنغ خيه» البحرية، وهو الأدميرال المسلم الذي قاد أكبر أسطول في القرن الخامس عشر، لكن الموت أسدل عليه ستار النسيان، فالرجل قام بسبع رحلات بحرية كبرى، وحج مرتين إلى مكة المكرمة ودوّن كل ذلك، وقد انتبهت الصين إلى أهميته فنبشت تراثه من جديد وأعادت إحياءه مرة أخرى عبر الاحتفال به العام الماضي،

وكان لنا نحن في مشروع ارتياد الآفاق مهمة تعقب المواقع التي زارها في رحلاته، وكنا أعددنا لهذه الخطوة قبل سنتين من الآن وقمنا بترجمة عمل الأدميرال ـ الرحلات السبعة ـ إلى اللغة العربية، وأنجزنا الرحلة بصورة عملية بدءاً من ضريحه إلى الموانئ التي صنعت سفنه ومرورا بالمدن والبحار التي مر فيها وما زلنا نتابع ذلك، فما زال أمامنا سبع دول نريد زيارتها قبل نهاية هذا العام.

* أعلنتم نيتكم إصدار مجلة «الرحلة»، ما هي أوجه مغايرتها لما هو موجود في الساحة؟

ـ نبعت مجلة «الرحلة» من أمرين: الأول أردنا أن تكون هذه المجلة «ناشيونال جيوغرافيك» الوطن العربي، والثاني أنه أصبحت لدينا مادة غزيرة وفرها أفراد كثيرون مرتبطون بالمشروع، ورحلات تكاد لا تهدأ طوال السنة لمسافرين يمدوننا بتفاصيل عن العالم. ونحرص على أن تكون المجلة مغايرة عن تجارب سابقة،

وأستطيع القول إننا وصلنا إلى صيغة تتيح لنا أن نبدأ من المكان الذي انتهى إليه النشر العربي، ولن نقع في مأزق الخطأ العربي في تقديم ما يريده الناشر، ولن نقع في ورطة ما يريده الجمهور، بل نريد الوسطية حول نقطة التقاء تقنعنا وتقنع الجمهور، وسأكتب فيها بشكل ثابت، وسأدون فيها رحلات قمت بها، وسأضع اسمي على الصفحة الأولى للمجلة كرهان على نجاح وطموح التجربة والهدف الإنساني.

* مشروع استكشاف أرض الإمارات، أين وصلتم فيه؟

ـ تزخر دولة الإمارات بأماكن مغفول عنها ولم تلتفت إليها إلا القلة من أصحاب الاهتمام، ومن الأدلة على ذلك جبل «داد» الذي ذكره طرفة بن العبد في معلقته، والذي عثرت عليه بينما كنت أرصد «أماكن» المعلقات في الشعر العربي القديم في شبه الجزيرة العربية، وقمنا مع نخبة من الباحثين والمصورين بزيارة هذا الموقع بعد 1500 عام على ذكر الشاعر له في قصيدته،

ولم يزر أحد الموقع منذ ذلك التاريخ، بل ان سكان المنطقة ليس لديهم أي معرفة لا بالمعلقات ولا بطرفة بن العبد، وكتبت مقالة عن المكان وهي موجودة في موقع المسالك، فهذه منطقة ذات قيمة عالية ثقافياً وشعرياً، وكتبنا أيضاً عن «الخران» التي ذكرها الشاعر الكبير بن ظاهر وقد كلفت بعض الأقلام العربية بالكتابة عن مناطق إماراتية أخرى كمنطقة ليوا ومحاضرها، ودبي والشارقة وبقية الإمارات.

كل إمارة لها ذاكرة تكاد تكون منسية، ونحاول ضخ الحياة فيها من جديد، وأنا على يقين أن مناطقنا غنية بإرثها، لأنها شهدت وجوداً يمتد لآلاف السنين وتجارب عظيمة وأساطير، وبعض الحفريات التي جرت مؤخراً بدأت تعطينا رواية أخرى لسكان المنطقة، ومن هذا الباب أعتقد أن إقامة مشروع يرتبط بهذه المواقع أصبح أمراً سينبه العالم إلى ما تزخر به المنطقة من إرث ليس في عهدها العربي فقط بل في العهود السابقة له، فالمنطقة كانت حية أيضاً في فترة الحضارات البابلية والآشورية والسومرية وغيرها من الحضارات القديمة.

* ماذا عن مشروع إصدار 100 رحلة حج مهداة لروح الشيخ زايد «رحمه الله»؟

ـ أصدرنا 3 رحلات وهناك 15 رحلة تحت الطبع وسترى النور في العام القادم، وهناك الكثير من النصوص المكتوبة بعدة لغات بدأنا بإعدادها وتجري ترجمتها لاستكمال المائة الذي تصدر لأول مرة في مشروع واحد، لقد وضعنا يدنا على المادة ويبقى تجهيزها للنشر، وفي السنوات الثلاث القادمة سنكون قد أنجزنا المشروع.

* إطلاق فضائية خاصة، ما هي تفصيلات العمل والرسالة الإعلامية لها؟

ـ أصبحت الفضائية أمراً محتماً، وهي خطوة لا بد منها للوصول إلى العالم، نحن بدأنا تقليديين بالنشر الورقي، لأن النشر الورقي هو البنية التحتية التي نستطيع من خلالها البناء بشكل عمودي، أما المحطة الفضائية فهي جزء من مشروع أكبر هو «دارة السويدي الثقافية» التي تنضوي تحتها مجموعة مشاريع، سيكون الاهتمام الأول في المحطة منصباً على الموسيقى وأعني موسيقى الشعوب أي موسيقى العالم التي بوسعها أن توجد لنا جسوراً مع العالم،

وهي موجهة للأجيال الشابة، بصورة معاصرة. ولم أغفل أن أغامر بورقة لم أرها في أي محطة مرئية في العالم العربي أو العالم، وهي ورقة فلسفة «التهويدة» التي هي جزء أساسي من تجربة موسيقى الشعوب، وأريد من خلالها خلق حيز لهذه الموسيقى الأولى التي سمعها الإنسان في طفولته ليسمعها العالم، والعمل على هذا المشروع يجري منذ عام.

* لكن هل هناك ما هو مشترك فيما بين هذه «التهويدات» على اختلاف أجناسها؟

ـ حين استمعت إليها تأتي من مختلف أنحاء العالم، شعرت بأنني ابن لكل أمهات العالم، ووالد لكل أطفال الأرض الذين يؤلمني مصابهم، أشعر حين يموت طفل في مكان ما أنه طفلي، وأشعر أن أمه أمي، وأشعر أن أمهات العالم لا يحلمن إلا بالفرح والحب، ولذلك تدمي قلبي النهايات العبثية لأبناء الأرض من أي جنس ودين لأنهم فرح الحياة،

وفي هذا النزاع بين الأحلام والواقع، يظل الإنسان متشبثاً بالحلم، بينما تعيده الصور المروعة في واقعنا اليوم إلى فترة الطفولة أو ربما يعدو هربا إلى الطفولة في أجسادنا التي هرمت، بمعنى اللوذ بالكلمة الأولى، اللوذ بالنغم الأول الذي كان يعطينا خيوط أمل في هذه النزهة التي سنقوم بها، لهذا فالتهويدات هي أكبر من مشروع سطحي أو فني، إنه يذهب بعيداً في عمق التجربة الإنسانية، في عمق التاريخ ليحاول أن يلملم المادة الباقية، نحن نعمل على مشاريع سيسمعها الناس بعد مائة سنة.

* أنت مولع بشكل خاص بشعراء فارس، ما سر هذا الولع؟

ـ سر ولعي بالشعر الفارسي، هو قناعتي أن العرب مقصرون إذ لم يدرجوا الفارسية كلغة أساسية في التعليم، وهي تمثل 90% من ذاكرة العلماء المسلمين والحضارة الإسلامية، فكيف تغفل هذه اللغة وتنتبه إليها إيران المعاصرة وتدرج العربية في المناهج؟ بالطبع لا أقول أن تدريس اللغة العربية في إيران أمر هين بل هو صعب، وقد شكا لي مستشار الرئيس الإيراني «أحمدي نجاد» ذلك، بينما شكوت إليه صعوبة تدريس العربية في العالم العربي، حين تدرس أحد الأطفال العرب في المدارس «والعاديات ضبحاً»

فإنك تضعه أمام معادلة رياضية صعبة الحل، أنت تحاول أن تخلق منه جهاز تسجيل، وفي الوقت الذي يختلف فيه علماء اللغة في معنى هذه الآية يتم تدريسها لطلاب الصف الثاني الابتدائي، هذه الحكاية دفعتني إلى التفكير في الكيفية التي تمكننا من إيجاد حلول للغة العربية، فعندما التقيت المستشار الإيراني وحدثني عن تجربة تدريس العربية في إيران، سرعان ما وافقني على وجوب تطوير وسائل حديثة في تقديم المعلومة، وحدثته عن بعض الأفكار التي ابتهج لها،

وأنا بصدد إنجاز آلية تخلق مناخاً مريحاً بين الإنسان ولغته العربية، وهناك مفاتيح لذلك، لو قلت لشخص لا يهوى الشعر ولا يدخل ضمن اهتماماته تعال ندخل ملكوت امرؤ القيس أو المتنبي، فسرعان ما يغلق الديوان اللهم إلا إذا كان عارفاً باللغة ضليعاً بأسرار التجربة، لأنه ابن عصر غير ذلك العصر ولغة غير تلك اللغة، ولكن إن استطعت أن تضع له الدليل والهادي الذي يسوغ له فهم تلك المفردات وفك شفرة الشاعر وشعره، سيظل هذا الشخص ممتناً لك إلى الأبد، وسوف يقوم بالإبحار بنفسه دون الحاجة لربان أو بوصلة تقوده، وهذا ممكن، ولكننا في بداية الطريق.

* نتاجك الشعري أين هو؟

ـ لم أنقطع عن الشعر، لكن ما بين يدي الآن من قصائد، وهي كثيرة جداً، تحمل شفرة غير تلك التي كتبت فيها دواويني السابقة حتى بت أشعر بالغربة عما سبق، والمادة التي بين يدي الآن مادة ترددت كثيرا في نشرها، لأنها دخلت في مناطق محظورة في التجربة الشعرية المحلية أو العربية، ولكن لن يطول حجبها وأنوي نشرها قريبا،

وتأثرت فيها بأنماط شعرية صوفية وشعر الهايكو الياباني، في هذه الهستيريا الشعرية التي نعيشها حاولت الحفاظ على الأبناء الذين أنجبتهم السماء، حتى الموعد المناسب لإطلاقهم. ونظراً لانشغالي بمشاريع كثيرة شغلت عن الإصدار الذي لا أرى أن من الضروري نشره الآن، لكنني أظل مرتبطاً بالشعر وحالة التلقي موجودة، بمعنى أن هذا التماس مع الكائن العلوي الذي يملي عليك ما زال موجوداً، ولا أشعر بالذعر أو الألم لأني استمد نصوصاً من روح الكون.

والغريب في التجربة الحالية أن السنتين اللتين قضيتهما في تجربة المعلقات التي انشغلت بها وسجلتها صوتياً وأدخلتها أطلساً الكترونياً وكلفت مارسيل خليفة بتوزيعها موسيقياً، مسحتني وحولتني إلى كاتب يكتب باللغة العربية، وأعادتني عاشقاً للنص الذي هربت منه، فكتبت باللغة العربية الفصحى،

بل وقمت بترجمة بعض الأعمال والقصائد من الإنجليزية إلى العربية، ووجدت نفسي أمتطي صهوة جواد العربية، لا أدعي الفروسية ولكني أصبحت في ألفة مع هذا الحصان الجامح الأصيل، بعد أن نفرتني المؤسسة التعليمية من اللغة العربية ونفرت أجيالاً حالية، لا أقول هذا للنيل من مؤسسة أو فرد بل من منطلق حبي للغة العربية وللعرب، وربما أو بالتأكيد أن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.

حوار: محمد الأنصاري