قدّمت مؤخراً فرقة مديرية الثقافة في حلب مسرحية «هاي شكسبير» إعداد «صهيب عنجريني» وإخراج «حكمت نادر عقّاد»، وذلك ضمن الفعاليات الثقافية لحلب عاصمة الثقافة الإسلامية، وقد تمّ العرض على مسرح دار الكتب الوطنية بحلب. ومسرحية «هاي شكسبير» أعدّها «صهيب عنجريني» عن أشهر تراجيديات شكسبير، ويتناول فيها موضوع القتل الذي تمّ في هذه الأعمال،
ويجعل من «شايلوك» بما يمثلّه من رمز يمارس ضغوطاً كبيرةً على شكسبير لبلوغ غايته وإجباره على تغيير صورة «شايلوك» المرابي اليهودي كما وردت في نصّ (تاجر البندقية) ساعياً من وراء ذلك إلى الهيمنة على الفكر الإنساني متمثلاّ بشكسبير، لخدمة أهدافه ورؤاه، مستحضراً أبطال التراجيديات (عطيل - ديدمونة - روميو - جولييت - بروتوس - يوليوس قيصر - لير - هاملت) متهماً شكسبير انه مجرد قاتل عابث، ويفرض عليه أن يغيّر ويكتب كما يريد هو:( اشطب ما كتبت واكتب ما أمليه عليك).
كان العرض يبدأ بمحاسبة شايلوك لشكسبير على قتل إحدى الشخصيات، ويتم تجسيد مشهد القتل، وبعد موت الشخصية يأتي شايلوك ويوقظ تلك الشخصية، ثم يبدأ سجال بينهما، ينتصر فيه شايلوك بدهائه وقدرته على التلاعب والتحايل متسلّحاً بخلفيته العنصرية ورغبته في الانتقام من شكسبير... وهكذا يحاكمه على مقتل شخصياته.
وأخيراً يسيطر على شكسبير ويملي عليه ما يريد، وعندما يمسك شكسبير القلم ليبدأ الكتابة، يظهر على خشبة المسرح معدّ النصّ والمخرج ويقتربان منه، يمسكانه من يده ويمنعانه من الكتابة.. ثم يقبّلان يده. عند هذا الحدّ تنتهي مسرحية «هاي شكسبير»، لكن هذه النهاية لم تنقذ العرض في الوقوع ببعض الاشكالات الفكرية.
فإذا كان المخرج ومعدّ النص هما مَن أنقذ شكسبير من الوقوع في الخطأ، ولم يكن ذلك موقف شكسبير. هل مَن كتب هذه المسرحيات العظيمة من الممكن ان يكون ضعيفاً إلى هذا الحدّ ويقبل بشروط من هذا النوع. لقد ظهر شايلوك قوياً ومسيطراً، فكان يحيي الشخصيات ثم يرميها بإصبعه فتعود ميتة كما كانت.
وإذا كان العرض أراد ان يقول دون قصد بأن الصهيونية قوية ومسيطرة وتستطيع ان تفعل ما تريد من خلال شخصية «شايلوك»، فإن هذا الكلام رغم انه مكرّر وقد روّجت له الصهيونية ومَن وراءها لدرجة أننا نسينا أنفسنا، ووقعنا فريسة لهذه الأكذوبة... نسينا ان العيب فينا ولم نستعدّ كما يجب لمواجهة العدو،
وكنا مستلبي الإرادة من خلال هذا الاعتقاد الذي ساد طويلاً. ولكن دور الفن ليس ان يُعيد ويكرّر ما هو سائد، بل ان يقول ما يجب ان يكون. وها قد أثبتت الحرب اللبنانية - الإسرائيلية الأخيرة عكس ما روّجت له الصهيونية بأنها لا تُقهر. لقد استطاعت المقاومة ان تنتصر وتغيّر الكثير من المفاهيم السائدة.
جاء إخراج «حكمت نادر عقّاد» منسجماً مع سياق النصّ ومقولاته. فقد اعتمد شكلاً فنّياً معقولاً في تقديم المشاهد والشخصيات. فكان المشهد يتمّ بجدال بين شايلوك وشكسبير حول مقتل إحدى الشخصيات، ثم يتم تجسيد مشهد القتل.. فيحاسبه شايلوك، وبعدها يبدأ مشهد آخر.. وهكذا حتى المشهد الأخير، حيث مقتل «هاملت» والجديد في هذا المشهد ان شخصية هاملت قد أدّاها مجموعة من الممثلين.
وربما كان أجمل ما قدّمه المخرج في هذا العرض هو التابوت التي كانت ديدمونة ممدّة فوقه وباقي الشخصيات من حولها في بداية العرض، قد جعله في نهاية العرض على شكل باب تخرج منه الشخصيات، وبالتالي فهم يخرجون من العرض ويعودون إلى صفحات ونصوص شكسبير.
كذلك اعتمد المخرج على أجساد الممثلين في التعبير، ولكن ما يُؤخذ على الإخراج هو ان الحركة المسرحية لم تكن تتنامى بل تتكرّر وباقي الممثلين يقفون في أشكال مختلفة جامدة، مما جعل المشهد المسرحي هو أقرب إلى الصورة المسرحية منها إلى الحركة المسرحية. وإذا كان المخرج قد نجح في بعض التشكيلات الفنية، فإن مشهد المقدمة - الذي ظهر فيه المخرج وهو يمسك بيد الممثلين ويجلسهم على المقاعد التي صُفّت في مقدمة خشبة المسرح - كان مجانياً وطويلاً.
برز من الممثلين «عروة سعيد» وكان مقنعاً بأدائه الهادئ لدرو شكسبير، اما «زكي ماردنلي» الذي لعب دور شايلوك فإن المبالغة بأدائه وصوته الضعيف وحركاته المفتعلة قد تناقضت مع طبيعة الشخصية المرسومة على اساس القوة والسيطرة. اما بقية الممثلين فقد كان اداؤهم عادياً وتراوح بين السطحية والاداء الميكانيكي.
أضاف المخرج صفة «السينوغرافيا» إلى جانب اسمه، وكان ذلك مجانياً ايضاً فالأشرطة المدلاّة من سقف المسرح لم تملأ الفضاء المسرحي. كانت الموسيقى مستخدمة بشكل صاخب لتغطي الكثير من الفواصل الزمنية الميتة. بقي ان نقول ان الملابس كانت جيدة ومناسبة للشخصيات وكذلك الإضاءة التي وضعها «عمار جراح» ساهمت في إضفاء الجماليات على بعض المشاهد.
حلب ـ د. وانيس باندك
