نشأ سور الأزبكية في الثلاثينات من القرن الماضي، ليحتل الكتاب مكاناً متميزاً بقلب القاهرة، ليلعب دوراً ثقافيا وحضاريا في التنوير والتكوين الثقافي ويصبح معلما ثقافيا بمثابة أسوار العواصم الثقافية المعاصرة، سور هايد بارك في لندن، رصيف نهر السين في باريس، الكلوزيد في روما، ليصبح قبلة كل من يعشق الأدب والفن والمعرفة.
يقول علي الشاعر أحد بائعي سور الأزبكية: أنا من عشاق الكتاب منذ كان عمري 3 سنوات، قرأت مئات الكتب حتى أصبح الكتاب هوايتي وعشقي وصديقي الوحيد في الحياة، وسافرت إلى أوروبا، وعملت في مهن متعددة وكان دائما ما يجذبني الكتاب ومعارضه المختلفة، وهناك شاهدت كيف يتعامل الأوروبيون مع الكتاب فهم عشاق حقيقيون للقراءة.
ويمكن أن نلاحظ ذلك داخل عربات المترو والقطارات، ووسائل المواصلات المختلفة، فهناك لا يوجد فرق بين الشاب أو الكهل في علاقته بالكتاب، فالكل يطالع الكتب في كل الأماكن والأوقات وكذا تميزهم في تقديم الكتاب من خلال إقامة أسواق اليوم الواحد لبيع الكتب القديمة الرخيصة الثمن دون أن يلقى هؤلاء الباعة أي معاناة، فالدولة تحمي مثل هؤلاء الباعة لأنهم يقدمون خدمة حقيقية للثقافة.
متاعب لا تنتهي
ويقول عن نشأة سور الأزبكية إن منطقة وسط البلد كانت مليئة بالبارات والمقاهي، وكان بائعو الكتب القديمة يحملونها ويترددون بها على البارات والمقاهي لبيعها للمثقفين من الكتاب، والقراء، والطلبة، وغيرهم من السياسيين وبعد انتهائهم من مهمتهم كانوا يجلسون ليستريحوا بجوار سور الأزبكية، مما لفت أنظار بعض المارة وأخذ يتردد أن بعض الكتب القديمة تباع عند هذا السور، وأن هذه الكتب زهيدة الثمن.
مما دفع الناس إلى التوافد على السور ولاحظ البائعون هذا الأمر، واستقرت تجارتهم بجوار السور ليتوقفوا عن التردد على مقاهي وسط البلد، ولكن متاعب التجار لم تنته لأن المكان الذي استقروا به بمنطقة الأزبكية كانت العائلة المالكة من أسرة محمد علي باشا تستخدمه كخط سير رئيسي لها.
وكلما مر الملك على سور الأزبكية كانت السلطات تعاملهم بقسوة وعنف وتقوم برش الكتب بالماء مما يؤدي إلى تلفها، وأستمر الوضع على هذا الحال إلى أن قامت الثورة.
من جهة أخرى يقول مجدي الإسكندراني من أقدم بائعي الكتب بسوره الأزبكية: إن بيع الكتب كان يتم في البداية عن طريق عرضها على رواد المقاهي بوسط البلد طوال النهار حتى جاء ورثة محمد عبد الحميد وكان طبيبا بمستشفى قليوب آنذاك، وكان لديه مكتبة تضم آلاف الكتب العربية والأجنبية عرضها الورثة للبيع وتقدم الأزهر.
وقام بشراء ما بها من كتب عربية تاركا لهم الكتب الأجنبية، فعرضوها على كلية الطب ولم تتم الصفقة وانتهى مصيرها إلى أحد بائعي السور وبعد ذلك أصبحنا نحصل على الكتب المرتجعة من دور النشر والمزادات ومن العائلات التي تتخلص مما لديها من كتب المكتبات الخاصة إلى جانب حصولنا عليها من بائعي الروبابكيا وكان الكتاب يباع بتعريفة وقرش صاغ، وإلى الآن نحصل على الكتب بهذه الطرق.
ويشير إلى أن جميع المشاهير كانوا من رواد السور وأتذكر منهم عبد الرحمن صدقي مدير الأوبرا، وعبد القادر حاتم، وكمال جنبلاط، وإلى الآن يتردد على السور، كثير من المشاهير من الكتاب والروائيين ومنهم جمال الغيطاني وصنع الله إبراهيم، وغيرهما من الكتاب، والقصاصين والباحثين والشعراء لأن سور الأزبكية هو مدرسة الأدباء والمثقفين .
ويلتقط كامل رمضان أطراف الحديث قائلاً: أعمل بائعا للكتب منذ أكثر من ثلاثين عاما لأنني ورثت هذه المهنة أباً عن جد وظللت أمارس نشاطي حتى فوجئنا في شهر فبراير عام 1993 بقوات تابعة للمحافظة تهدم أكشاكنا، وهرولنا إلى محمد يوسف نائب محافظ القاهرة في ذلك الوقت اللواء عمر عبد الآخر وعلمنا منه أنه سيتم نقل السور إلى أسفل كوبري الأزهر ولم نعترض كنا في ذلك الوقت 200 كشك، ولكننا فوجئنا بعد ذلك بكلام آخر.
حيث قرر المحافظ نقلنا إلى منطقة الدراسة وانتظرنا الحلم الجميل الذي و عدنا به المسؤولون وتفرق البائعون بين أسواق الكتب القديمة من مناطق السيدة زينب، عين شمس، الزيتون.
ويضيف خالد المصري بائع بسور الأزبكية كان نقل السور إلى منطقة الدراسة بمثابة مأتم ثقافي حيث ارتفعت أسعار الكتب وقل البيع وانصرف عدد كبير من الشباب عن القراءة حتى عاد الكتاب إلى مكانه بسور الأزبكية مرة أخرى، وبعد القرار الأخير عدنا مرة أخرى، وبعد القرار الأخير عدنا مرة أخرى إلى نقطة الصفر لأنه سوف يتكرر معنا نفس السيناريو لأننا لا نعلم حتى الآن إلى أين سينتقل السور.
جامعة شعبية
الروائي جمال الغيطاني يقول: لقد استقر سور الأزبكية لمئات السنين في الوجدان الثقافي لأجيال متوالية، حيث كان أشهر من أي مكتبة بالقاهرة بل تحول إلى ما يشبه الجامعة الشعبية التي يجد فيها كل قارئ ما يحتاج إليه من كتب ومراجع بجميع اللغات، وبأسعار زهيدة، وكذلك بالإمكان أن نجد به الطبعات الأولى من كتب تمت مصادرتها، مثل كتب الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق، وفي الشعر الجاهلي لطه حسين، وأولاد حارتنا لنجيب محفوظ، ومقدمة في فقه اللغة العربية للويس عوض.
ويرى الغيطاني أن مكتبات سور الأزبكية تتمتع بموقع متميز، لذلك ظلت فرصة للباحثين والأدباء والمفكرين يمرون عليها بين الحين والآخر، وربما يعثر بعضهم على كتاب أو مرجع نادر، فما من كاتب أو مهتم بالثقافة في مصر وغيرها من الأقطار العربية إلا ويدين لهذا السور.
ويقول المؤرخ جمال بدوي: لقد لعبت مكتبات سور الأزبكية دوراً مهماً في تكوين ألوف المكتبات الشعبية في البيوت، خاصة بسبب التضخم الشديد في أسعار الكتب ليكون القناة الميسورة لاقتناء مكتبة صغيرة تكون منارة للعقول تضيئها بنور المعرفة.
القاهرة ـ هشام نصر
