هل نكتب أيامنا وليالينا بدمع البعد والانتظار، فتتدافع الكلمات ثرة عذبة تداعب الوجدان، تغدق على أرواحنا المولهة أملاً وألماً، تطير به فراشات القلب، تحوم وتنتقل بين وريقات العمر، ندّية، بهيّة، ناصعة الألوان، تحترق بنار الشوق ولحظات الدهشة الأولى، حينما تلتقي النظرات الكابية، معلنة بداية اللقاء الذي قد يطول أو يقصر.

ولم نعشق دائماً قمر الأحزان في عيوننا، ونعلن في كل كبوة أننا عشاق المطر والقصائد المبللة بفيض المشاعر وغبار العمر، وننسى كل مآذن الرحمة وصهيل الأفراح في مرابعنا، وكل حكايات الفرح المنساب من ضحكات العصافير التي تتهاطل ندَية، تنسينا ما مرَ بنا في صحراء الوجد من لحظات توقف فيها الزمن برهة حابساً قلوبنا معلقة بين الأمل والرجاء.

ولم تهب علينا الذكريات هبوب الصبا، فتنعش الأرواح والأفئدة بالحنين، فتجعل للأيام طعماً لا ينسى، ولوناً لا يشبهه أي لون، مع أننا نصَر في كل مرة على استذكار النهايات، ورسم خواتيمها المدّماة، نتناسى معها نعمة البدايات التي تؤرخ لهذه اللحظات والحكايات، وكأننا نعاقب أنفسنا على نعم ليس لنا فيها حول ولا قوة، سوى قلوبنا الضعيفة العاجزة عن تلمس الفرح بأضعف الإيمان.

يا الله.. ما أبدع الذكرى على شطآن القلوب، وما أروع الخزامى على حوافي القفار، بديعاً ذو رونق آخاذ، وما أنقى الرياح التي تأبى علينا إلا الرحيل لمرافئ موشاة بألم الوداع الصامت المترفع عن كل أنين.. لكن لم نحن حقاً مولهون بالرحيل الشاحب، نحمل على الدوام حقائب الدمع في المطارات الكئيبة، نطيل الانتظار على بوابات العمر، وننسى مدن الحب المرسومة بريشة أحلامنا، وحمائم خيالاتنا، وقهوة صباحاتنا الندَية المزدانة بخفر الفل وأريج الورد والياسمين..؟!

وما عسانا نفعل حين تفر منا قوافي الشعر وتستعصي علينا الكلمات.. هل نلجأ لبوح النثر نملأ به خواء صفحات ليالينا..؟! أو حين تصفر أوراق مذكراتنا وندرك أننا أصبحنا في خريف الإبداع، هل نهرع يومها إلى إعادة كتابتها على ورق أبيض، بعد أن نحرق تلك الأوراق العتيقة، لننسى أننا لم نعد قادرين على تمثل هذه الذكريات..؟!

وما نقول حين نقف نحصي أنفاسنا الأخيرة، هل سنتذكر كل لحظات الفرح المنساب من صباحات رحلت على أشرعة الأمل تاركة أرواحنا أعجاز نخل، معلَقة على سياج الرغبات والأمنيات التي لا تنتهي..؟! أم نعود للبكاء على بدايات حكمنا عليها الأفول قبل ربيع مواسم النجوى والبشرى، للقاء ليس ككل اللقاءات العابرة في حياتنا الممتدة بين أحزان ابتدعناها وعشقنا فيها آلام النوى، وبين نيران الأرواح المؤلفة على اللقاء.

حتى وإن بعدت الأنداء والمسافات وتغيرت الأماكن والعناوين والوجوه، سيبقى الوعد الجميل والعهد النقي، رهان البدايات النادرة الموسومة بالحنين وقوانين الفرح، المنسوجة بخيوط شفافة كالنور تفيض علينا مواسم ملونة وفصول فاتنة لا تنقضي أبد الدهر.

alomawi@albayan.ae