لم تهدأ حركة الفرق المسرحية في الساحة منذ الموسم الماضي وحتى هذا الموسم مرورا بموسم الصيف، ويمكن للراصد ان يقيس توزع النشاط المسرحي المحلي على مدى المواسم الثلاثة بشكل واضح، الأمر الذي يلغي تماما فكرة البيات المسرحي والانكفاء الذي لازم الحركة المسرحية المحلية كصفة أطلقها المتتبعون للحراك المسرحي داخل الدولة..
فقراءة المشهد المسرحي المحلي اليوم تدفع الى تتبع نوع من الحراك لم تشهده مسيرة المسرح من قبل لا في مجال الكم ولا في مجال النوع ولا حتى في مجال ضخامة الإنتاج، اما الأسباب التي دعت الى حضور هذه الحالة الفريدة فيمكن إجمالها في عدة نقاط وعوامل بحصرها في شهور العام الحالي الذي يشارف على الانقضاء والمسرح يشهد تألقه الملفت للنظر.
ومن جملة هذه النقاط الدفع والدعم الكبيرين الذي شكلهما انطلاق الموسم المسرحي الصيفي بدعم من دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة والتي أثمرت موسما مسرحيا ازدحم بما يقارب من 36 عرضا مسرحيا لست فرقة مسرحية وست أعمال مسرحية متميزة حضرها عدد من الجمهور، ثم تلى هذا النشاط التي امتد على مدى شهر ونصف الشهر دورات مجلس دبي الثقافي والتي استقطبت اغلب المسرحيين وركزت اختياراتها على جيل الشباب من المسرحيين.
وختام هذه الورش المسرحية بمهرجان مصغر أسفر عن أربع ليال مسرحية حضرها مهتمون ونقاد وإعلاميون، ثم استعدادات الفرق المسرحية للمشاركة في مهرجان الإمارات الثاني لمسرح الطفل الأمر الذي أسفر عن ميلاد ثلاث مسرحيات موجهة لجمهور الأطفال تعرض خلال إجازة عيد الفطر المبارك فيما أربع مسرحيات أخرى تستعد لفتح أبوابها للجمهور في الأيام المقبلة.
انشغال الفرق المسرحية الأهلية بهذا الزخم الكبير من العمل والفعل المسرحي رافقه أيضا استعدادات على صعيد آخر لها علاقة بالمشاركات الخارجية، حيث استعدت فرقة مسرح الشباب للفنون بدبي للسفر الى مملكة البحرين خلال الأسبوع الأول من الشهر المقبل للمشاركة في الدورة الجديدة من مهرجان المسرح لدول التعاون الخليجي والذي تشرف عليه لجنة الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي، وهو مهرجان يقام كل سنتين في عاصمة من عواصم الخليج يتداول فيه المسرحيون الخليجيون العروض المسرحية من خلال مسابقة محكمة وهموم الفن المسرحي ومستقبله في المنطقة وعلاقته بالتطورات العالمية..
فيما تستعد على الجانب الآخر فرقة مسرح كلباء للمشاركة في مهرجان سوريا المسرحي بمسرحية الظمأ وهو العمل الحائز على جائزة أفضل عمل مسرحي خلال الدورة السادسة عشرة لأيام الشارقة المسرحية، أما فرقة مسرح دبي الأهلي فإنها تستعد هي الأخرى للمشاركة في مهرجان طرطوشة المسرحي في اسبانيا بمسرحية باب البراحة والأسبوع الثقافي الإماراتي الذي تتبناه وزارة الثقافة بمسرحية سفر عميان..
هذا الحراك الذي يزدحم بالأعمال المسرحية شكل على صعيد آخر انشغالا لعدد كبير من فناني المسرح والشباب الهواة الجدد لدرجة وصل فيها الحال الى تنافس الأعمال المسرحية على استقطابهم، خصوصا العناصر النسائية.
الاستعدادات للدورة الجديدة لأيام الشارقة المسرحية هي الأخرى مولد ديناميكي لحركة أخرى في الساحة المسرحية، فكتاب المسرح بدأوا من الآن وضع لمساتهم على نصوص جديدة ستشهدها الأيام في مارس المقبل واللجنة العليا سرعت هذا العام من إيقاع إجراءاتها حيث بدأت في الدعوة للمهرجان في وقت مبكر.
اما الأعمال التي ستشارك بها الدولة في المحافل الإقليمية والعالمية فهي أربعة، «آه قلبي» التي أنتجها مسرح الشباب للفنون بدبي قبل عامين من الان وحصلت على أفضل عمل متكامل خلال الدورة الخامسة عشرة لأيام الشارقة المسرحية، وتعد من الأعمال المسرحية التي اشتغلت على البيئة المحلية، محملة بالأهازيج المتنوعة من الفلكلور الشعبي.
ومسرحية «سفر عميان» للمؤلف والمخرج ناجي الحاي وهي من الأعمال التي حققت نجاحا كبيرا في عروضها ضمن مهرجان الموسم الصيفي وتتناول حكاية عميان تاهوا في صحراء وبدون دليل والعمل يتناول في إسقاطاته الحالة العربية في مواجهة مصيرها في ظل التغييرات والاحداث الدولية..
وعلى الصعيد الآخر تتناول مسرحية الظمأ لفرقة مسرح كلباء سيرة جوقة تعاني من العطش في إسقاط من ان صراع المستقبل هو الصراع على الماء، اما مسرحية باب البراحة التي انتجها المسرح الأهلي بدبي في العام 2001 فتقدم عرضها الاستعادي في مدينة طرطوشة ضمن مهرجانها الثقافي الذي يجمع ثقافات العالم.
ان المراقب للحراك المسرحي في العام 2006 يجد ان الحياة في المسرح المحلي تبدو فاعلة وناشطة ولم تتوقف للحظة في حالة فقدتها الساحة المسرحية منذ زمن طويل، كما ان هذا الحراك أدى الى ظهور جيل من الشباب الهواة الجدد الذين تخرجوا من الدورات والورش التدريبية وانضموا للعمل في أعمال المسرح.
وهذا يدعو أيضا الى نوع من التفاؤل فيما يخص مستقبل الحركة الفنية المسرحية في ظل الاهتمام المتزايد من قبل الجهات الراعية والداعمة للحركة المسرحية ومن قبل المسرحيين الذين استقبلوا هذا التحفيز بنشاط كبير.
كتب مرعي الحليان
