هل يكفي عرض عمل مسرحي لثلاثة أيام للحكم على نجاحه ومتابعته من قبل جمهور يتسم بالذكاء والقدرة على التمييز بين الأعمال التي تخاطب ذائقتهم ورغباتهم، وأعمال أقل ما توصف بأنها استهلاكية موسمية لا تتعدى حدود الخشبة التي تقدم عليها.
وكيف يمكن توصيف (جزيرة الطيبين) التي قدمها مسرح رأس الخيمة الوطني أيام العيد ولاقت الحضور الملفت والتفاعل بين شخصيات العمل والجمهور الصغير الذي أغتنم أكثر من فرصة للصعود إلى الخشبة أو الركض وراء الممثلين الذي حرصوا على هذا التواصل وإن غلب عليه بعض الأخطاء والمباشرة في طرح بعض النصائح والإرشادات التي لم تستطع الخروج من النمط المدرسي، إن كان من ناحية ضبط النظام أو معرفة الإجابات التي طرحت من شخوص العمل المسرحي خلال العرض.
بداية لم ينس القائمون على المسرحية تحفيز ذاكرة الأطفال الذين غصّت بهم قاعة المركز الثقافي برأس الخيمة، عبر إطلاق عدد من المسابقات والأسئلة التي انتهت بتوزيع الجوائز التي تكدست على الخشبة قبل بداية العرض، كذلك فعل الممثلون الذين حرصوا على الدخول إلى المسرح بعد توزيع الهدايا الصغيرة، ليبدأ عرض (جزيرة الطيبين) من الفصل الدراسي.
حيث (المدرسّة) التي شرحت عنوان المسرحية بطريقة نحوية خاطئة، لتلاميذ قسّمت بينهم الأسئلة والأجوبة بطريقة كوميدية، وهذا الأمر تكرر بين ثنايا العمل حيث كنا نلاحظ ظهور (المدّرسة) بين الحين والآخر لتوضح ما الذي سيحدث أو ما العبرة مما حدث، مصادرة بذلك مخيلة الطفل الذي قدم لمشاهدة أبطال الغابة دون وصاية أو تلقين.
بساطة الفكرة التي طرحتها المسرحية وهي أزلية الصراع بين الخير والشر، وما يمكن أن تشكله الغابة من بيئة مثالية للتصادم بين الطيور والحيوانات الأليفة، مع عودة (العقاب الجارح) ورغبة (الثعلب زعرور) في الاستيلاء على الحكم من الحاكم الطيب الذي تضطره انفلونزا الطيور إلى مغادرة الجزيرة لفترة.
مما فرض على العرض المسرحي إيقاعاً معيناً يبدأ من الحبكة الأساسية، بين طمع العقاب الجارح ودهاء الثعلب ومساعدة البومة، ومن ثم القضاء على العقاب ليصبح الثعلب، الآمر الناهي في جزيرة الطيبين، ولأن الخير لا بد أن ينتصر، كان لابد أن نشهد في نهاية العرض ما كان متوقعاً، حيث تعود الأمور إلى طبيعتها بعد أن يتم القضاء على الشر وينتصر الحق في نهاية المطاف.
على صعيد أداء الممثلين بدا الفنان سعيد عبيد عثمان (بتيجا)، ممسكاً بتفاصيل شخصية (الثعلب زعرور) وما يمثله من دهاء وخداع ووصولية، وإن خرج في أدائه أحياناً عن حدود الشخصية المرسومة عبر الأداء الصوتي العالي الذي فرضته أجواء الصخب التي مارسها الأطفال خلال العرض، حتى أن الفنان سالم العيان استفاد من شخصية العقاب الذي لم يدع طيراً أو حيواناً في الجزيرة إلا أكله أو قام بسجنه..
فطلب من الأطفال العودة إلى مقاعدهم وإلا سوف يقوم بمعاقبتهم، وبالغ في بعض المشاهد في التعبير عن كوامن الشخصية مستخدماً الحركات المكررة والدوران حول الشخصيات.
بينما قدمت الفنانة فاطمة جاسم شخصية (البومة) باتزان، كذلك فعل الفنان فيصل عبد الله ثاني في دور (حمار المستشار)، بينما كان دور الأرنب من نصيب الفنان عيسى درويش، و(الغراب) للفنان ماجد الصوري، حيث يمكن القول إن مجمل الشخصيات بدت ضمن حدود الأداء العادي الذي لم يخرج عن الإطار المرسوم.
فيما كان واضحاً الجهد الذي بذله فنيو العرض المسرحي من ناحية تصميم ديكورات المسرحية الخشبية والتي بدت متوافقة مع أجواء الغابة نوعاً ما، كذلك الأزياء التي طغت عليها الألوان الزاهية البراقة، فيما جاءت الأضواء المساعدة كذلك الألحان والأغنيات المصاحبة التي لحنها وكتبها المخرج عبد الله صالح التي تميزت بالمحلية والشعبية مما أضفى على العمل المسرحي ككل صبغة خاصة تجاوزت المألوف في حكايات الأطفال.
وبالمحصلة يمكن القول إن (جزيرة الطيبين) نجحت إلى حد ما في تقديم عمل مسرحي جيد وإن عانت من بعض الترهل والتراخي في الحوار الذي قدمه الكاتب سالم الحتاوي، والذي كان من الممكن أن يقدم بأسلوب بعيد عن المباشرة وهي الصفة الغالبة لسلبيات العرض، هذا إذا اعتبرنا المباشرة والتقريرية شرطين ضروريين لمخاطبة الفئة العمرية.
لكن يبقى الفرح والرغبة في لقاء أبطال العمل والتدافع للتواصل معهم، دليل نجاح العمل ككل، ودليل نجاح فريق العمل الجماعي الذي يصر على تقديم عمل موجه للأطفال، ضمن شروط فنية تستحق الإشادة والتقدير عموماً.
كتب أنس الأموي
