أصبح مصطلح «نص» الشائع الآن يفهم على انه كتابة ذات حدود مطاطة أو دون حدود، وفيه تلتقي أنواع وأساليب أدبية مختلفة تترافد وتتكامل لخلق حالات تعوّد القارئ على ان يأتيه بعضها من خلال نمط أو أسلوب كتابة منفرد.
ولا شك في ان «النص» يعطي الأديب مجالاً من الحرية أوسع مما كان يتوفر له في المجالات الأخرى، وهو بمعنى من المعاني مجال راحة للتخلص من قيود تتخذ بصورة متزايدة سمات القواعد التقليدية، لكنه ليس في أي صورة من الصور مهرباً من العمل الجدي ـ موهبة وصنعة ـ أو مرتعاً للاستسهال.
لكننا في كتاب الشاعر محمود درويش الجديد «في حضرة الغياب.. نص» ومع هذه المراوحة العميقة بين حالات وأنماط متنوعة نجد ان مصطلح النص هذا يتحول إلى ما يبدو حالات مختلفة من التجارب الشعورية بل من «الشعر» وقد اتخذت من «النص» في تشعباته أقنعة فنية لها.
فما قدمه لنا الشاعر الفلسطيني الكبير يفيض شعراً في مجالاته كافة بما يجعل القارئ يحس بأنه لا يتصرف ـ في حكمه ـ بعدالة مقنعة إذا أعطاه صفة أخرى. وليس في هذا الأمر غرابة.. فمن شبه المسلم به ان الشعر لا ينحصر في مجال الكتابة المسماة شعرية بل إننا نواجهه ونتمتع به في فنون جميلة أخرى، وفي أنواع أدبية منها مثلاً الرواية والمقالة بعض الكتابات الفكرية أيضاً وفي مجالات يصعب حصرها نهائياً.
كتاب درويش الذي صدر عن دار «رياض الريس للكتب والنشر» جاء في 181 صفحة متوسطة القطع وبغلاف من تصميم محمد حمادة.
في هذا «النص» نلتقي تجارب درويش.. بعض أفكاره وثوراته التي بدا عليها تعب وشيب ويسيطر عليها الآن هدوء كأنه النار المترمدة.. وأوجاعه وأحلامه المنكسر منها وهو الكثير و«الرواقي» المتصابر وهو نادر فإذا لمحناه فهو يبدو لنا أسرع من ومضة برق.
في مواد نص درويش مهما تعددت نشعر بأن نبضة العمل الشعري المألوف عنده لم تغب وإنها تحولت إلى ما يشبه الإيقاع الخفي المستمر الذي يحلو للبعض ان يطلق عليه تعبير «نبض الحياة» الدائم في تجلياتها المختلفة.
يستهل درويش كتابه ببيت لمالك بن الريب قد يكون على قدمه موغلاً في «حداثة» تجسدها لا حياة الشاعر وحده بل حياة الإنسان الفلسطيني. أما البيت فهو «يقولون لا تبعد وهم يدفنونني وأين مكان البعد إلا مكانيا..».
يبدأ درويش في القسم الأول من الكتاب بكلام مشدود بين الإنسان «القائل» وبين القول نفسه.. بين التجربة الخارجة من الذات والمتحولة إلى أمر آخر بل إلى «عالم» آخر مختلف.
إنها علاقة مجازية وملتبسة إلى حد بعيد بين الحياة والموت أو انها أحياناً الذات تشيّع ذاتها. يقول «سطراً سطراً أنثرك أمامي بكفاءة لم أؤتها إلا في المطالع وكما أوصيتني أقف الآن باسمك كي اشكر مشيعيك إلى السفر هذا الأخير وادعوهم إلى اختصار الوداع والانصراف إلى عشاء احتفالي يليق بك... ولنذهبن معاً أنا وأنت في مسارين أنت إلى حياة ثانية وعدتك بها اللغة في قارئ قد ينجو من سقوط نيزك على الأرض. وأنا إلى موعد أرجأته أكثر من مرة مع موت وعدته بكأس نبيذ احمر في إحدى القصائد...».
وفي بعض حديث شعري سيال عن رحلة العمر ينتقل درويش من كلام يفيض شعراً إلى شكل شعري «كرّس» شعراً حديثاً. انه يتنقل بين شعر وشعر. وفي ذلك النبض المشبع بالحزن والأسى والحنين إلى يوم مضى والمتتابع تتابع نبض الحياة.
يقول درويش متحدثاً عما تعجز عن التقاطه الحواس الخمس لأنه أرفع منها وأبعد. يطلب الشاعر عودة إلى الأمور بطبائعها وحقائقها التي يعرفها الطفل معرفة حقيقية مباشرة لا بمسمياتها الطارئة وصورها الإضافية المصطنعة. إنها رحلة البحث عن أنفسنا السالفة في عمق أنفسنا التي تراكمت عليها بصمات الزمن وتوقيعاته وانهياراتنا الكثيرة. لقد حولنا الزمن إلى مدافن تغيب فيها أنفسنا القديمة وأحلامها.
يقول «ثمة شيء يتزيا بالغامض.. لا يشتم ولا يلمس ولا يتذوق ولا يبصر.. هو ما يجعل الطفولة حاسة سادسة.. فسمّوك الحالم من فرط ما ركبت للكلمات من أجنحة لا يراها الكبار وتحرشت بالغامض واغتربت
فانهض من هذا الأبيض
عد طفلاً ثانية
«علمني الشعر»
وعلمني إيقاع البحر
وارجع للكلمات براءتها الأولى
لدني من حبة قمح لا من جرح لدني
واعدني لأضمك فوق العشب إلى ما
قبل المعنى
هل تسمعني قبل المعنى
كان الشجر العالي يمشي معنا شجراً لا معنى
والقمر العاري يحبو معنا قمراً
لا طبقاً فضياً للمعنى عد طفلاً ثانية
علمني الشعر وعلمني إيقاع البحر
وخذ بيدي كي نعبر هذا البرزخ ما بين الليل
وبين الفجر معاً
ومعاً نتعلم أولى الكلمات
ونبني عشاً سرياً للدوري
أخينا الثالث
عد طفلاً لأرى وجهي في مرآتك
هل أنت أنا
وأنا أنت
فعلمني
الشعر لكي أرثيك الآن الآن الآن كما ترثيني»