نجوم الفن عموماً لوحات عاكسة لطبيعة المجتمعات التي يمثلونها، وقد تنامت مواقع وأثر هؤلاء الذين يسمونهم نجوماً منذ أن ظهرت السينما ووسائل الإعلام التي تلمع هذه النجوم، مع إني لا أعترف بهذه التسمية، إذ أصبحت تطلق بالمجان على كل من هب ودب.

كانت للنجوم مواصفات ذات بريق حاد، وعوالم سحرية وسرية، وكان الكشف عن هذه الأسرار يعتبر سبقاً إعلامياً، كان لكل نجم صّناعة، فهناك دوائر هامشية مهمتها صناعة النجم، ربما يلتقطونه من أي زاوية مهملة، ويبرمجون حياته.

ويلمعون جوانب منها، يعلنون عنها بين الحين والآخر، بما في ذلك الفضائح، والشائعات، وإلصاق الصفات «السوبر» التي تصبح بعد ذلك حكايات أسطورية عن هذه أو ذاك. ولا تنتهي حتى بعد رحيل الفنان، فإن عملهم يستدعي أن يذهبوا معه إلى القبر، وتبدأ حكايات جديدة عن أسباب الموت، وينسون القول المعروف «تعددت الأسباب والموت واحد».

تاريخ السينما عرف نجوماً ظلت تتوهج حتى الآن خاصة حينما نتذكر تلك الأعمال الفنية الرائعة والتي خلدت في دنيا الفن وخلدت أصحابها.

ما زلنا نذكر جيمس دين، وكريكوري بك، وأنتوني كوين، وصوفيا لورين، ومارلين مونرو، وكلارك جيبل، وجينا لولوبريجيدا، وعشرات من نجوم هوليود، ونجوم بوليود، وكلنا نعرف نجوم الفن العربي، من أنور وجدي، وعماد حمدي، وشكري سرحان، ورشدي أباظة، وهند رستم، وفاتن، وماجدة، وشادية، مروراً بعمر الشريف، وعبدالحليم، وفريد الأطرش، وفريد شوقي.. إلى آخر هذه السلسلة من الفنانين المبدعين الذين يتعذر تعدادهم.

وبالمقارنة بين مواصفات تلك النجوم، ونجوم اليوم، نجد ثمة اختلافات جذرية، فما عادت الوسامة هي المقياس الأساسي ولا الفروسية ولا آخر صيحات الموضة، ولا الوجه «الفوتوجينيك» ولا تلك الحكايات والأسرار والتناقضات، والأساطير.

أصبحنا مع جيل آخر ربما يمتلك مواصفات أخرى، وجدت الفنان الكبير الدكتور يحيى الفخراني نموذجاً لها. فهو ليس وسيماً، كتلة من الشحم واللحم، وليس أنيقاً أو متألقاً، وليس له حكايات وغراميات، وطلاق وافتراق، وتعدد حكايات المعجبات والمعجبين بل حتى يبدو وهو يمشي أنه يعاني من تسطح القدم.

الفخراني واحد من عامة الناس، يمثلهم حتى في بدانته، لكن الفخراني يمتلك مواصفات عالية جداً فنياً، غطت على تلك المواصفات التي يركز عليها صناع النجوم، هو لا يحتاج لهم لأنه يمتلك ما لا يمتلك غيره، إنه رجل يدرك مهمته الصعبة، لذا تراه مسلحاً بقدرات تمثيلية عالية في جودتها، هو انسيابي في أدائه، غير متكلف.

أو متصنع، يضحك على سجيته، ويحزن بصدق، ويتفاعل دون ضجر أو افتعال، هو حالة جديدة من النجوم التي تعتمد على الثقافة التأسيسية الموسوعية والتقنيات الفنية العالية.

الفخراني يمتلك حضوراً فنياً لا يتوفر في نجوم آخرين وطاقة تمثيل كبيرة وصدق وإقناع في الأداء يمكنه التواصل مع المتلقي وشد انتباهه والتأثير به عبر الشاشة الصغيرة، أو شاشة السينما الكبيرة. ومثله الآخر الفنان نور الشريف الذي بدأ حياته معتمداً على وسامته وشروط النجوم مثل أبناء جيله حسين فهمي، وأحمد زكي، وفاروق الفيشاوي وغيرهم.

ولكنه في مسيرته لم يعتمد على الشكل إنما ارتكز على مقومات الفنان الأساسية في عمق الثقافة، وتطوير التقنيات الفنية، نور، والفخراني كلاهما نموذجاً مشرفاً لنجوم الفن المعاصر والحديث، وكلاهما علامات متميزة في الدراما العربية نفخر بهما ونتابعهما، على الرغم من أننا قد نوجه لهما أحياناً بعض النقد، والنقد في طبيعة الحال لا يوجه إلا للمبدعين الكبار.