جلست على المقعد الخشبي، في انتظار القطار. قطار الضواحي، دوما يتأخر في الوصول وفي القيام. جلست غارقا في الهموم.. قال لي المغربي، لن تعود إلى مقر عملك القديم، قررنا نقلك إلى مكان آخر. صحت فيه، لن أضار بسبب الحرب !! من حقي العودة إلى نفس المكان.. قاطعني بغلظة: المديرية أصبحت كاملة العدد، لا يوجد لك مكان فيها. مكان لا يوجد. لك لا يوجد مكان. لا، لا مكان لك فيها...

تنبهت على صوت رقيق يأتي من أعماق بعيدة، كالأحلام.. يهمس بالقرب من أذني: مالك؟. التفت نحو مصدر الصوت، آمال.. كانت تميل برأسها نحوي، يشع وجهها بياضا كالبدر، استطردت وهي ترفع رأسها للوراء:

منذ مدة وأنا أراقبك، وأنت مبحر في عالم آخر.. ما بك؟. حاولت انتزاع ابتسامة من أعماقي. وإفساح مكان لها بجواري على المقعد الخشبي الذي تغير لونه مع الأيام الصعبة، قلت لها: اجلسي، أنا في انتظار القطار.. قالت وهي تقعد بهدوء: قطارك، هو قطاري... قلت معقبا: لكن يبدو أنه سيتأخر كثيرا...

بعد مدة عادت تسأل وهي تعيد إحكام غطاء الرأس الحريري الغامق حول رقبتها، فانحسر كم الثوب عن ساعدها اللدن. بانت التشوهات على الجلد الأبيض الرقيق، اقشعر بدني من الجلد المتآكل. يبدو أنها لم تعد تعير المسألة أدنى اهتمام، كالمرة الأولى التي قابلتها بالقطار. أدرت وجهي ناحية مبنى المحطة. جاء صوتها رقيقا عذبا يمس شغاف القلب: فيم كنت تفكر؟

هززت رأسي وأجبت: في حكايتي القديمة.. ردت بخفة ومرح معقبة على قولي: وهل أنت لك حكاية؟ وقديمة !!. أجبت وأنا أميل برأسي إلى أسفل: الحرب.. قالت بلا مبالاة: لقد انتهت !! قلت معقبا: انتهت على الجبهة، ولكنها بدأت هنا...

زعق مكبر الصوت بمحطة سيدي جابر يعلن للركاب بأن القطار القادم.. الضواحي، يقف بمحطة العصافرة والمندرة، المعمورة، أبوقير وإدكو... قالت آمال وهي تقوم واقفة، الحمد لله، وصل القطار مبكرا..

نظرت نحوي متسائلة: أين ستنزل؟ أجبت: أبوقير، مازال التحقيق معي مستمرا.. سألت باهتمام: ألم تعد إلى عملك؟. قلت مترددا: رفض المغربي، وكيل الوزارة، عودتي إلى مكان عملي القديم، الذي كنت فيه قبل الحرب. أصر على نقلي إلى مدينة إدكو.. قالت في حيرة: إدكو، إدكو. عدت من الحرب لتستريح.. أم عدت لتعاني من جديد؟!.

بدا القطار قادما من بعيد، يصفر.. واستعد البعض للركوب، قلت لها كأنما أناجي نفسي: عدت من الحرب إلى حرب، ومن الحصار إلى حصار. كنت أعتقد بأن الحرب غيرت النفوس.. ولكن، لم يتغير شيء. أناس يأكلون التمر وآخرون يمضغون الحصرم !!.

ارتفع صفير القطارعاليا وعم ضجيجه عند دخوله المحطة، وامتزج مع لغط المسافرين، وضاع صوتي وسط الزحام، وسمعتها بصعوبة وهي تسألني: هل كنت تقول لي شيئا.. هززت رأسي: لا شيء. اقتربت مني أكثر وسألتني كأنما ترجوني: هل ستركب القطار معي... لم أنبس، كأنما لم أسمع رجاءها، وترددت وأنا أقول لها: عندي سؤال يحيرني كثيرا.. سألت باهتمام: ماهو؟ استجمعت شجاعتي وسألتها: هذه الحروق، ما سببها؟. نظرت نحوي في صمت ووجوم.

توقف القطار على الرصيف، تزاحم الركاب ودفعوها، دفعا داخل العربة. ظللت واقفا على المحطة. هل أخطأت وتسرعت؟ هل طرحت سؤالي قبل الأوان؟!. كانت طوال الوقت تتحدث بخفة ومرح، خيل إليّ أنها كانت تنطق مع ضجيج القطار: الحرب. النابالم. الميراج.. أنا من القنطرة شرق.

ندمت على الجرأة التي دفعتني إلى طرح السؤال، هل تسرعت وأخطات؟ أحسست بالألم يعتصرني من النفخ في النيران التي تنام تحت جلدها المشوه، ربما توهجت من جديد !! ونيراني أنا مازالت مشتعلة في صدري لم تخمد بعد.. وفي لحظات.. قررت عدم ركوب القطار، والعودة.

عندما بدأ قطار الضواحي يتحرك، دققت النظر بالداخل، وجدت الوجه الصبوح خلف زجاج النافذة، عليه مسحة من الكدر وعينان تبحثان في قلق وحيرة، عن شيء خارج عربات القطار..

عبدالستارخليف