يؤكد د.نادر القنة أنه لا توجد أزمة نصوص مسرحية عربية، أو أزمة دور عرض، أو أزمة جمهور متلق، بقدر ما هي مجموعة أزمات تتعلق بالمبدع المسرحي غير المؤهل تأهيلاً أكاديمياً معرفياً يؤهله القيام بالدور الثقافي المنوط به، عبر تقديم مسرح عربي متكامل مبني على أسس علمية ومنهجية، قادر على التفاعل مع المهرجانات واللقاءات الفكرية وورش العمل والدراسات النظرية والعملية. وفي هذا الحوار الخاص يبدي الناقد المسرحي الفلسطيني المتخصص ملاحظاته النقدية الموضوعية، حول التجربة المسرحية الإماراتية، مقدماً وجهة نظره القابلة للحوار والنقاش على الدوام.

* بداية كيف توصف حالة المسرح العربي في ظل الحديث الدائم والمتكرر عن الأزمات التي تعصف به؟ ـ لنعترف أولاً أن الثقافة برمتها وعلى مدار العقود الماضية تمر بأزمة في العالم العربي، سواء في المسرح أو السينما أو الإذاعة أو الصحافة أو النشر، لأن المسألة مرتبطة بالأساس بغياب الإستراتيجيات الثقافية على مستوى الأقطار العربية، وقد كنا نأمل من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم أن تصنع إستراتيجية ثقافية عربية مرحلية متطورة ولكن هذا لم يحدث للأسف.

ففي بعض الأقطار العربية تبدو أزمة الثقافة واضحة على أعلى المستويات في ظل غياب الاهتمام والرساميل والميزانيات المخصصة، في الوقت الذي تلحق المؤسسات الثقافية في بعض الأقطار العربية بهياكل غير معنية أصلاً بالثقافة، بينما تغيب الكثير من الأنشطة والفعاليات الثقافية عن أقطار أخرى. أما فيما يخص مسألة المسرح على وجه التحديد، فمنذ بداية السبعينات ونحن نسمع عن هذه الأزمة المسرحية التي يعلقها البعض على غياب عنصر التأليف المحلي، والبعض على عدم وجود الفنان، وما شئت من مبررات ومسببات كثيرة متعددة.

* وهل تنطبق هذه الأسباب مجتمعة على ما يحدث بالنسبة للمسرح في الكويت؟ـ في ظل غياب خطة مسرحية متكاملة، لا نستطيع في الكويت أن نقول أنه بعد خمس سنوات مثلاً سيكون لدينا عدد من دور العرض أو عدد محدد من المخرجين والمؤلفين والنقاد والتقنيين، من هنا تنشأ الأزمة ومتاهات العمل، حيث يختلط أهل الخبرة بالهواة من أنصاف وأرباع المتعلمين، فلا نستطيع أن نستوضح الأمور، فينشأ ما يمكن تسميته بغياب الوعي المسرحي والثقافة والنهضة المسرحية

مع أنني ضد الحديث عن أزمة في النص المسرحي، لأنه يوجد لدينا دائماً نصوص متوفرة ومن المصادر كثيرة، لكن لا يوجد لدينا المؤلف الحقيقي للكتابة المسرحية على مستوى احترافي عال، كما أنني ضد ما يقال أنه لا يوجد لدينا دور عرض مسرحية لأن المسألة الآن لم تعد حكراً على العلبة الإيطالية للمسارح التقليدية،

بل بالإمكان وفقاً للاتجاهات الحداثية الجديدة أن تقدم عرضك المسرحي في مواقع كثيرة غير معدة بالأساس للمسرح كالشوارع والملتقيات ومحطات النقل، فأينما تجد الجمهور تجد عرضاً مسرحياً، كما لا توجد لدينا المعيارية الدقيقة للحديث عن أزمة العرض المسرحي وأزمة الفنان المسرحي، لأننا في الأعياد كمثل هذه الأيام، نجد العروض المسرحية الكثيرة التي تحتمل العديد من الممثلين في وقت واحد وفي الكويت نستطيع الحديث عن عشرة عروض مسرحية في العيد، وأكثر من 150 فناناً مسرحياً.

* وماذا عن حال المسرح الإماراتي هل تعتقد أنه الآخر يعاني من نفس الأزمات والمشاكل؟ـ بالتأكيد أن ما يقع عن المسرح الإماراتي يقع على المسرح الكويتي وبقية التجارب المسرحية العربية الأخرى، لكننا نعول على كل تظاهرة ثقافية مسرحية أن تنهض بواقع الحركة المسرحية، وأعتقد أن أيام الشارقة المسرحية استطاعت أن تكتسب هويتها الخاصة وتوجد تظاهرة للتجربة المسرحية الإماراتية عبر استضافة ومشاركة نخبوية عربية، مما يؤهلها للحديث عن حلول تقدم الكثير من الجوانب الفنية، مما يشكل إضافة للمسرح الإماراتي.

وعندما نتحدث عن (16) دورة من دورات الأيام، فمعنى ذلك أنه أصبح هناك أطقم فنية وإدارية قادرة على إدارة هذا المهرجان بحرفية عالية، كذلك شبكة من الفنانين والإداريين الذين يجيدون صناعة المهرجانات والملتقيات، وقد أصبح التنافس بحد ذاته مسألة مهمة، ولو عدنا للدورات الأولى نجد العروض القليلة، فيما تحدثنا في الدورة الأخيرة عن عرضين مسرحيين في كل ليلة وربما نصل قريباً إلى ثلاثة عروض.

إلى جانب الحديث عن الاستضافة العربية الهامة التي تتحاور وتتناقش في هموم العمل المسرحي، وتشكل نظيراً للتظاهرات عربية أخرى مثل: مهرجان دمشق المسرحي، ومهرجان قرطاج، ومهرجان المسرح العربي في الأردن، كذلك مهرجان أيام الشباب في الكويت، ومهرجان مسقط للمسرح، ومهرجان الجنادرية للفنون، والعديد من المهرجانات الأخرى التي تشكل طوق النجاة للحركة المسرحية ومتنفساً حقيقياً لمسرح صحي حتى وإن تلمسنا بعض الإخفاقات، وكانت هناك بعض التراجعات، لكن تبقى مثل هذه المهرجانات فرصة للحوار والتلاقي وتبادل الآراء والحلول ومراجعة الذات، ورؤية ما يمكن رؤيته لمستقبل مسرحي عربي واعد.

* لكنك بالمقابل أبديت بعض الملاحظات النقدية خلال الندوات التطبيقية التي رافقت أيام الشارقة المسرحية؟ ـ صحيح فمن خلال هذه المداخلات النقدية، كنت أحاول التأكيد من منطلق أكاديمي بحت وبصفتي أستاذاً أكاديمياً لعلوم المسرح، أن هناك خلطاً في كثير من المفاهيم المسرحية كقضية الإعداد وقضايا تتصل في التعامل مع بعض المصطلحات النقدية،

والخلط لدى بعض المتخصصين والهواة ومحبي المسرح العربي، فكنت أتوقف عندها لأقول على سبيل المثال لا الحصر، أنه لا يوجد كاتب مسرحي يعد نصاً مسرحياً عن كاتب مسرحي آخر، إنما هناك ما يسمى بالاقتباس وتقديم رؤية مختلفة تحافظ على الجذور الأصلية للنص وحقوق المؤلف، ودائماً يكون الإعداد من جنس أدبي إلى آخر كأن تعد من السينما إلى المسرح، ومن التلفزيون إلى المسرح، كذلك من الشعر أو الفن التشكيلي إلى المسرح.

كما توقفت كثيراً عند مسألة الورش والمختبرات المسرحية، وبدا لي واضحاً أن الأخوة في دولة الإمارات العربية المتحدة (مهمومون) بالمسرح والثقافة، ولديهم رغبة في تطوير أدواتهم الفنية، لكن هذا التطوير لا يأتي جزافاً وتلقائياً، بل لابد من عقد مؤتمرات وندوات وورش مسرحية، وأنا لا أقول أننا بحاجة إلى معاهد مسرحية متخصصة.. فما المانع من إقامة ورشة لتدريس الطلبة فن تكنيك الكتابة الدرامية، أو إقامة مختبر مسرحي لتعليم الهواة ومحبي المسرح جماليات العرض المسرحي.

فلم أر في العروض المسرحية ما يسمى بالخدع المسرحية، مع أن بعض هذه العروض كانت تحتاج إلى هذه الخدع، مما حرمها من جزء من الجماليات المرتبطة بالإضاءة والتقنيات الصوتية والديكور، والكثير من الجوانب داخل تقنيات العرض التي تضيف أشياء جمالية، وتقدم حلولاً درامية مقنعة للمخرج.

فعلى سبيل المثال لم أشاهد أقنعة مصنعة، بل نصف قناع على مستوى الماكياج ذاب من شدة الإضاءة في الوقت الذي تحتاج فيه مثل هذه العروض إلى تقني يجيد صناعة الأقنعة المسرحية المصنّعة خصيصاً للعرض وللممثل نفسه، فليس أي قناع يمكن للممثل أن يرتديه، المسألة لها علاقة بالتنفس وناحية الأمان والمدة الزمنية التي سيبقى فيها على وجه الممثل، لذلك نحتاج إلى دورات معينة في مثل هذه الجوانب.

حوار: أنس الأموي