حين زار الفنان اللبناني مارسيل خليفة الصحراء الإماراتية مع صديقه الشاعر محمد السويدي، علق على تلك التجربة في حوار له مع التلفزيون الجديد، إنه استمع لأول مرة في حياته لصوت الصمت.. إنه سيمفونية تعزفها الصحراء تحت سماء صافية متلألئة النجوم.. النجوم القريبة جداً لدرجة أحس بها خليفة أن بإمكانه قطافها.

إذا كان لصمت الصحراء موسيقاه الخاصة، فماذا عن صمتنا، بدءاً من تعبير الفتاة به عن قبولها بعريسها الذي لا تعرفه، ومروراً بالصمت القسري... وصولاً إلى صمت المدافع ؟ ألا يثير أسئلة يحين قطافها ؟

ها هو مدفع رمضان يعلن صمته لمدة عام كامل، يتفكر من جديد خلاله بما حل بطقوسه القديمة، وهل بات من أحد يسمعه وسط هذا الضجيج؟ هل ثمة من لا يمتلك فضائية في بيته تنقل له أصوات كل المدافع ما عدا مدفع الوطن؟

هل مازال للعيد معنى احتفالياً توزع به الأضاحي ويطيب الطعام بعد طول صيام ؟

ربما لم يعد هناك حقيقة من طقوس وتعاليم كالتي تربت عليها الأجيال السابقة، فالشعور بالجوع الذي من المفروض به أن يجعل الصائمين يشعرون بجوع الفقراء، صار يزيد من الشهوات ويحرض الغرائز على أطيب وألذ المأكولات والمشروبات من أصناف وأطياف لم نعد نرى مثلها إلا في رمضان.. وليس هذا وحسب، بل يحلو السهر طوال الليل والنوم طوال النهار.. والصحوة ـ نداء المعدة ـ تكون عند الإفطار.

عيد بأي حال عدت يا عيد بما مضى أم لأمر فيك تجديد

أما الأحبة فالبيداء دونهم فليت دونك بيد دونها بيد

ربما مازلنا نحاول أن نمنح أطفالنا فرحة العيد، لكن في دواخلنا أسئلة عن صمتنا أيماناً بأقدارنا، عن صمتنا من ضعفنا وعجزنا، عن صمتنا رغم صوت الصمت فينا.. هل مازال للصمت آمل في دواخلنا؟

يبدو أن للصمت في أوطاننا معان مغايرة، يسأل الصمت ذاته عن تجلياتها.. فللشجر الصامت حين تهب الرياح حفيف تتوزع موسيقاه تبعاً لشدة الريح ونضارة الأوراق وأشكالها.. ما بال صمتنا والرياح الموسمية تهب من صحارينا يزداد يوماً بعد يوم؟

لم ير الصمت صمتاً جماعياً كصمتنا، فهل لنا الصراخ ذاته حين نصرخ.. ربما جدران المنازل تشهد لعزف كل منا المنفرد على أوتار همومه أو صراخ زوجته أو بكاء طفله أو هسيس غربته واغترابه.

قال الله تعالى: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). سورة النور وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت».

abuhamed@albayan.ae