د. فاروق شحاتة أحد رواد فن الطباعة والجرافيك في مصر والعالم العربي والغربي أيضاً.. تأثر بأساتذته في كلية الفنون الجميلة، شغل مناصب ثقافية رسمية مصرية وعالمية كثيرة منها: مستشار ثقافي ورئيس البعثة التعليمية في كل من النمسا وسلوفاكيا عام 1991، وعضو الأمم المتحدة في فيينا عام 1992 وعضو مراقب في هيئة اليونسكو في فيينا عام 1993.

كما اختارته وزارة الثقافة المصرية ليمثلها في العديد من الدول الأوروبية وآسيا والبلاد العربية.. حصل شحاتة على جائزتي الدولة التشجيعية والتقديرية في الفنون بجامعة الإسكندرية، ويعتبر معرضه الجديد بقاعة الزمالك للفن بالقاهرة لقاء خاصا مع الملتقى استعرض فيه ومضات من مراحل حياته الفنية عبر أكثر من خمسين عاماً من الفن، تمثل العديد من المذاهب والتقنيات والمعالجات.

وقد تم عرض أكثر من 50 عملاً فنياً، تعبر عن 15 مرحلة من حياته الفنية، والتي بدأت منذ عام 1962 وحتى 1977، وتعد مرحلته الأولى التي اتجهت فيها أعماله بقوة للانطباعية الرمزية والواقعية الشديدة المصرية وهو ما نستطيع قراءته من خلال ثلاثين عملاً جرافيكياً في القائمة.

وقال على هامش المعرض: حاولت أن أهتم في هذا المعرض بحالة البشر ومعاناتهم اليومية والتأكيد على روعة الطبيعة وجمالياتها خلال تشكيلات وعناصر وكائنات وزروع وتراث عريق ضارب بجذوره في قلب أرض مصر، ويستشعر الملتقى فيها برشاقة ودلالة الحركة واللون والرؤية المستقبلية، متأثراً بذلك أيضاً بمجموعة من المناظر الطبيعية في موضوع الأشجار،.

وجاء ذلك من خلال سفري الكثير إلى بلاد أجنبية مثل ألمانيا، والتي تتمتع بالغابات والأشجار ورسمت فيها لوحات كثيرة من الشجر لمدة عام، لأن الشجر مثله مثل الإنسان له شخصيته المستقلة وله تكويناته الجميلة، كذلك تأثرت بجمال الطبيعة المصرية في صحرائها، ورسالتي الفنية لا تخرج عن كونها بأن الفن هو الحياة، ولابد من تجميل الحياة بالفن سواء التشكيلي أو الموسيقى أو المسرحي.

وأوضح عن تأثره برواد فن الطباعة انه استخدم في هذا المعرض طباعة سيلك سكرين أو الطباعة الحريرية الطباعة اللتيرجراف حيث تأثرت في مقتبل حياتي بـ د. عبد الله جوهر رئيس قسم الجرافيك بكلية الفنون الجميلة، كما تعلمت على يد د. ماهر رأفت العديد من التقنيات الفنية من فن الجرافيك، وتأثرت أيضاً بأستاذي البروفيسور «ساكنهايم».

وفى بداياتي درست على يد الفنان الطليعي محمد عويس، المصور الواقعي والتعبيري والذي كان يهتم برسم الحياة اليومية وتفاصيلها وبعض الموضوعات القومية، وحاولت أن أتقن لغة الخط في الرسم والبناء ومحاكاة الواقع عبر تقنية الحصر غير الملون «الأسود والأبيض».

صورة غير حقيقية

وقال إن مرحلة محاكاة الواقع الريفي المصري من أهم مراحل حياته الفنية، وأضاف: عندما ذهبت إلى الريف لأنظر إليه كفنان أحسست أن الريف لم يرسم إلا من وجهة نظر متفائلة ومنفصلة عنه، وكل الذين سجلوا المناظر الريفية التقطوا الجوانب السياحية ورسموا الألوان الجميلة، لكنني عشت مع الفلاحين ورأيتهم عن قرب فأحسست بمأساتهم وبالحياة القائمة التي يحبونها.

فإن الساقية الجميلة في لوحات السابقين هي في حقيقتها أخشاب، تنعق وتبكي وتنوح، لم أحس بجمالها على الإطلاق حيث لا فرق بين الآدمي والحيوان في الريف، لأن هناك فرقا بين اللوحات التي تصور الفلاح من منظور «ما أحلاها عيشة الفلاح» هي غير الصورة الحقيقية للفلاح.

وأوضح أنه استخدم خلال لوحاته أساليب خاصة لعرض قضايا الوطن العربي وأهمها قضية مأساة فلسطين والشعب المقاوم الذي لابد أن يكون له دور فعال وإيجابي من خلال مقاومته المستمرة، وهذا مستوحاة من النكبة والغربة وحياة التشرد والخيام والحدود والأسلاك الشائكة والحنين إلى الوطن، مؤكداً بذلك على تقنية الحفر .

وتعدد النسخ وإمكانية انتشار العمل الفني على نطاق واسع، فرسمت عشرات اللوحات القوية التعبير بأساليب فن الحفر المختلفة التي يمارسها ببراعة أي فنان عربي متأثر بعروبة وقضية مأساة اللاجئين الفلسطينيين وجسدت بشاعة العدوان الإسرائيلي على الوطن العربي في لوحات شهيرة مثل «نظرة إلى الوطن السليب» و«ولاجئة» و«الليل الطويل» و«خلف الأسلاك» و«الطائر الجريح» و«النكبة على الحدود»، وغيرها من اللوحات التي تعبئ الشعور القومي وتوقظ الوجدان العربي وتنبه الرأي العالمي إلى القضية الفلسطينية.

ولهذا فلابد لكل فنان تشكيلي أن يكون صاحب موقف وله وجهة نظر يريد أن يعرفه جميع الناس، لأن الفنان لا يمارس الفن من أجل متعة ذاتية وإنما باعتباره وسيلة وسلاحاً في معركة حضارية، ولهذا اخترت فن الحفر الذي يتيح لأي فنان إشاعة فكرته بين أكبر عدد من الناس.

وعن علاقة الفنان بالمتلقي قال: فنانو الطباعة في مصر قلائل، لأن وزارة الثقافة لا تشجع هذا الفن، فقد يكون ثمن اللوحة الفنية أكثر من 8 آلاف أما بالنسبة للجرافيك فيصل ثمنها أقل كثيراً من هذا لأن الفنان يضع عدة نسخ من لوحاته.

وفى نظري أن هذا الفن غير متداول في الدول العربية على مستوى العالم غرباً وشرقاً، رغم أن هناك فناني طباعة متميزين في الدول العربية في لبنان وسوريا ودبي والسعودية لكن الإعلام الخارجي والداخلي يصب اهتمامه أكثر للمعارض الفنية التشكيلية الأخرى، وبالتالي فالفن مرتبط بالإعلام في العالم العربي.

وفيما يخص مصر وفن الجرافيك أوضح أن مصر مثلت من خلال أربع دورات من بينالي الإسكندرية وباريس ولوبليانة وأثينا وفلورنسا والنرويج وكراكوت وبلغاريا وبنغلاديش والشارقة واكتسبت خبرة طويلة من خلال هذه العلاقات الفنية الوثيقة بالخارج، تمكنت خلالها من تنظيم العديد من الأنشطة الثقافية والفنية في العديد من دول العالم العربي والغربي، حيث أقامت أكثر من 80 معرضاً للفن المصري المعاصر منذ عام 1975 وحتى عام 1994.

كما أقمت أكثر من 46 معرضاً خاصاً لأعمالي حول العالم، لهذا ورد اسمي في ثلاث موسوعات عالمية منها قاموس الفنون ماير، كما أقمت عدة ورش فنية لفن الجرافيك والطباعة في العالم شرقاً وغرباً، كما استوحاني في الستينات فن الطباعة من خلال ألوان الأبيض والأسود والتي تخدم موضوعاتي الدرامية التعبيرية في نصرة قضايا الإنسان وحقه في الحرية والاستقلال.

القاهرة ـ داليا فاروق

وكالة الصحافة العربية