مدارس كثيرة، شرقية وغربية، قديمة وحديثة، دينية وعلمية، كلها أعلت من شأن التأمل وجعلت منه رحلة ضرورية الى داخل الذات، وفنا يجب ممارسته يوميا للتغلب على الكثير من النوازع والاحباطات والغرائز العابرة لأجل الوصول الى الصفاء الداخلي الأول، او الطبيعة الأصلية للإنسان قبل أن يتلوث بأفكار وأشياء الحياة.
والتأمل في معناه الجوهري هو النوم جالسا حسب وصف احد أساتذة اليوغا، وهو الوصول بالفكر الى مرحلة اللاتفكير حيث يهدأ العقل (الهائج دائما) ويعود الى طبيعته الأصلية، وهناك دراسة تقول ان الإنسان يفكر ستة ملايين فكرة في الدقيقة، ووظيفة التأمل هو تهدئة العقل من هذه الأفكار ودفعه للتركيز على جوهره الأصلي والأشياء التي تهمه في الأساس وأولها الصحة والراحة النفسية والشعور الغامر بالسعادة والاندماج مع الطبيعة والكون. والتخلي عن المظاهر الخادعة والشكليات والأقنعة المزيفة التي تمنع بعض الناس من التعرف على حقيقتهم الداخلية.
بعد جلسة أو اثنتين من التأمل العميق يكتشف الإنسان العادي ان 90 في المئة من الأشياء التي يهتم ويتعلق بها هي أشياء بلا معنى، خاصة في مجتمعنا المحلي الذي تغلفه المظاهر ببريق كاذب يخفي الكثير من الحقيقة الداخلية التي يشعر بها الجميع ولكن لا احد يصرح بها. وبالتأمل يبدأ الإنسان باكتشاف الابتسامة الصفراء للمسؤول والمدير، والنظرة الخبيثة لأعز صديق، والغيرة التي تغلي في قلوب زملاء العمل وغيرها من السلبيات الموجودة في الآخرين وفي نفسه أيضا، ولكن من يمارس التأمل يقابل كل هؤلاء بالمحبة الخالصة وبقلب مشحون بالنية على فعل الخير والا أصبحت تأملاته بلا معنى.
التأمل ليس مجرد حالة جلوس ساكنة للشعور بالراحة، بل هو درب عسير للتخلي عن كل المتعلقات المزيفة والغرائز والعادات والمشاعر الداخلية السلبية التي تجعلك تكره وتحقد وتسب وتنم وتبخل وتتذمر..انه رحلة تطهير للذات من كل سلبيات الماضي والبيئة الاجتماعية والتربية والرفقة السيئة وغير ذلك، والإنسان بعد جلسات تأمل قصيرة لعدة شهور قد يبدأ بالتخلص من قشرته الخارجية المزيفة لتظهر تدريجيا طبيعته الناصعة المجبولة على محبة الخير للناس والأرض.
يظل فن التنفس ضروريا في الكثير من جلسات التأمل، والفكرة الرئيسة هنا هي ان الإنسان يفقد تدريجيا أسلوب التنفس الصحيح ويكون تنفسه طوال اليوم بشكل خاطئ، ولكن بتكرار جلسات التأمل يمكن استرجاع العادات الصحيحة للتنفس.. وهناك مدارس تركز على إيجاد (ايقاع) في التنفس أثناء جلسة التأمل، وان يكون الإيقاع محسوبا بين الشهيق (لمدة 5 ثوان مثلا) ثم كتم الهواء لثانية ثم الزفير لمدة 5 ثوانٍ.. وتختلف هذه المدد الزمنية من مدرسة لأخرى لكن الأساس فيها كلها هي الضبط على إيقاع واحد من التنفس أثناء جلسة التأمل.
akhozam@yahoo.com