هل يصل الشاعر إلى حالة رضا عن قصيدته أم أن جنيات الشعر تجعله باحثاً قلقاً عن قمة جبل الإبداع؟ يعاني الشاعر خلال كتابته القصيدة، خلال بحثه عن الكلمات واختيارها بنظمها في عقد فريد،

ثم بعد كل ذلك نراه يعترف ببساطة، لم أكتب أروع قصائدي بعد، إن هذه الحالة من القلق والتوجس من الحيرة والهواجس التي تسيطر على ذات الشاعر خلال لحظات الكتابة تبدو أمرا ملازماً للإبداع وهذا ما يؤكده الشعراء إذ لا يخفون قلقهم الدائم وبحثهم عن قصيدة لم تكتب بعد. الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي يقول أرى أن لكلمة الشاعر بالذات علاقة قوية جدا بينها وبين نفسه، فالنفس الشاعرة هي نفس حساسة ومرهفة تصفو بسرعة وتشحن بسرعة أيضا ولذلك لابد من طريقة تفريغ لها مستمرة فتكون القصيدة التي قوامها الكلمات، فعندما تمتلئ النفس بالهموم أجد أن خير صديق في هذا العالم هو القلم.

لا توجد قمة للشعر: أما الشاعر الفلسطيني محمود درويش فيرى أنه ليس هناك شكل نهائي للشعر، فالشعر هو شكل الكتابة الإنسانية الأولى مما يعني أنها ضرورة إنسانية وهي هنا أصداء الحاجة القادمة إلينا من بدايات البشرية، واستمرار هذه الحاجة يعني أن الشعر ملازم للطبيعة الإنسانية وهو ليس ضروريا فقط للتغلب على معوقات التطور الإنساني، ولكن أيضا حتى تكون الحواس في حالة عمل مرهف، ويضيف « درويش» : عندما نحاول أن نتعرف على ماهية الشعر سيكون ذلك من خلال كتابته وممارسته، وليس من خلال تحديد مفهوم نظري مسبق له، وهذا يعني أننا لن نستطيع أن نصل إلى القصيدة النهائية إذا عرفنا ما هو الشعر الحقيقي النهائي، لأن معنى هذا أننا وصلنا إلى نهاية المطاف ولانتهى الشعر،

ولكن الشعر مختلف عن ذلك، فسره يكمن في أنه يمدنا بأشكال غامضة هذا الغموض الذي يوضح استمرارنا في البحث عن القصيدة الأسمى والتي لن نستطيع أن نصل إليها وذلك لأن قمة الشعر هي قمة منبسطة، وليست حادة وتتحمل الكثيرين وليس واحدا فقط، وبالتالي فهي مفتوحة لحقول من التجديد والتجريب وكل ما يحاوله الشعراء هو أن يضيفوا نقطة الاقتراب من هذه الماهية العظيمة لهذا الغامض الخلاق. البحث في حديقة الفنون: وفي رأي الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة أن كل شاعر يعاني من قلق فني مستمر.. قلق حول الشكل والموضوع لأن كل قصيدة هي حالة، وحين أكتب قصيدة الآن أتصور شكلها فهي تعبر عن قلق لأنني أحس دائما أنني لا أملك الشعر، وإنما الشعر هو الذي يملكني ويأتيني في اللحظة التي يختارها هو،

ولكن من خلال التمرس والإحساس بضرورة الشعر يصبح على الشاعر أن يبحث عن بعض المفاتيح، ومن هنا يبدأ القلق من حيث الشكل الفني. ويضيف أبو سنة : هل ستكون القصيدة هي نفسها التي ارتحت إليها في ديواني الأول أم تنفتح على درامية العالم وفنون أخرى تتزود منها وهذا ما حدث في دواويني التالية.. حديقة الشتاء، وتأملات في المدن الحجرية، والبحر موعدنا ورقصات نيلية.

متحف الغبار

وإذا كان محمود درويش يرى أنه لا وجود لقمة الشعر لأنه حالة إنسانية متجددة ولا نهائية، بينما الشاعر محمد إبراهيم أبوسنة يعترف أن بحر الشعر له سرابه الذي لا ينتهي، فإن الشاعر عبد المنعم رمضان يقول: إن الحياة قصيدة، لأن الفرحة فيها قصيدة أيضا، فكتابتي تحاول أن تكون النقيض لما هو كائن، ومن أجل الأفضل، والأفضل في تصوري دائما لا يأتي إلا عن طريق فهم الضرورة والتي تعني الحرية للإنسان في كل مكان.

ويضيف الشاعر عبد المنعم رمضان لهذا أكتب هل هو كم؟ هل هو تراكم؟ لا أسأل نفسي، فالكتابة هواء وأنا أتنفس من يريد الغائي فبالكتابة أعني قطع الكتابة عني المهم بالنسبة لي أن لا أكرر تجاربي، أن أبتكر ما يستحق أن يقرأ، فالشعر الذي لا يخلق الجديد والمختلف لابد أن يجد له مكانا في متحف الغبار، ويرى الشرقاوي أن الشاعر إذا قال ما يريد لن يكتب جديدا، فهو يملك خاصية بكل ما يكتب،

ربما يكون فرحا ولكن للحظات فقط ومن ثم يجيء الشك بأن ما كتبه ليس هو المطلوب إنما هناك شيء آخر لم يكتبه أحد لم يفكر فيه أحد هذا الهاجس الجديد الابتكار.. الشكل المغاير الصورة الحية الفنية الثرية ذات الأبعاد المتفجرة إنه البحث عن التنوع الذي هو كالحلم. كلمة بلا نغم كقيثارة بلا أوتار.. كصحراء بلا أمطار.. وكزرع حرم من الماء.. الكلمة هي الزهرة والنغم شذاها.. الكلمة وطن.. والنغم حريته..هكذا بدأ الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي حديثه ويقول : أحيانا يكون البوح عندما يطول الليل بغير نجوم.. ويكون البوح عندما يترقرق الصبح في عين الحبيب..

وأجمل لحظات البوح التي عشتها هي التي كانت بجانب بيارات البرتقال.. عندما كنت أداعب أغصان الزيتون في حيفا ويافا، وعكا. ويؤكد «البرغوثي» أن الوطن دائما يستكتبه.. حيث شمس فلسطين الغاربة لذا فقصائده تئن من البرد فهي في حاجة إلى شمس الوطن، ودفء الأم، وحنان الأخت والصلاة، في محراب القدس، شرف لشعري أنه يحمل هم الوطن.

قصيدة خاصة

الشاعر المصري حلمي سالم يقول: أكتب قصيدتي الخاصة، ربما تكون مرتبطة بمناخات أو تصورات أو لحظة شعرية أو زمن معين لكنها، والأهم تسعى إلى فعل الضد مع هذه التصورات ذاتها، وضد مرجعيتها.. هي قصيدة تحاول التخلص من مرجعيتها الزمنية والفنية والجمالية.. ببساطة أنا جزء من حركة جيل وحركة قصيدة، أنا كذلك جزء من نقد هذا الجيل وهذه القصيدة أسعى فقط لكتابة قصيدة خاصة تضع في صميم خبرتها الشعرية قارئها، وتضع كذلك في اعتبارها أن الإنجاز الفني هو في الأساس إنجاز يسعي للتجاوز والإضافة، أنا أسعى لأن يكون لي خيالي الابتكاري، وليس الاستعماري.

روح الشعر

وبالنسبة للشاعر فاروق شوشة: فإنه يرى مسألة البحث عن أجمل الكلمات التي لم تكتب مثل قضية البحث عن كنوز اللغة العربية الجميلة.. حيث يقول: كثيرا ما كنت أتوقف أثناء البحث في كنوز لغتنا الجميلة أمام نص شعري فاتن لشاعر عربي عاشق، ينطق بصدق العاطفة والشعور.. وجمال التعبير والتصوير والأداء.

الأسطورة والتاريخ

أما الشاعر محمد الفيتوري فإن قناعته تزداد مع الأيام بأن الشعر هو وليد لحظة تماس سحرية بين التاريخ والأسطورة، بين المعلوم والمجهول.. بين الواقع والخيال، بين الزمني والخالد، ويعبر عن ذلك بالقول.. «إن هذا التاريخ والمعلوم والواقع والزمني إنما يتوفر على معنى شعري، عبر لحظة التماس مع ما يبدو للوهلة الأولى نقيضا له، ولكن في الحقيقة امتداده.

ولذا يبدو الشعر، شأن الكائن الإنساني مفعما بالحواس، ولكنها حواس تطلع لأن تصبح أفكارا.. ولم أزداد، مع الأيام، إلا قناعة بأني كشاعر عربي، أحوج ما أكون إلى ضرورة انتساب إلى التجربة الروحية، لا إلى الفن وحده، أو بمعنى آخر إلى توحيد التجربة الروحية بالتجربة الفنية،

ومن الحذر من الهوة التي تتسع مع الأيام - أيام الانهيار - بين التجربة والفن.. بين وجدان الشاعر ونصه.. بين مواقفه الكبرى والكلمات التي لا تنطوي إلا على أصداء ارتطامها ببعضها.. بين الجسد الحي والذهن بين الذاكرة والمخيلة.. حتى ينتصر النص للعبة الذهن وحدها، للعبة الشكل وليدة الذكاء.. إن الحيرات الكبرى هي التي تولد أشكالها، إن البحث عن الجمال في الشكل يبدو واهما وموهما.. لا يتعين الجمال إلا في عمق المعنى، وفي التطلعات الروحية التي تتشكل أفكارا ورؤى وأغنيات.

وما زلت أقول بأن الأسطورة هي جوهر الشعر، لا التاريخ، لأنها تلده في حين يلد التاريخ الأيديولوجيا، وهما نقيضان.. لذلك تبدو القصيدة التي تردد أصداء التاريخ قناعا من أقنعة الأيديولوجيا لا غير.. وهي عرضية تزول زوال المبادئ التي لا جوهر فيها. كما لم أزداد قناعة بأن ما من قصيدة تنسب لشاعرها بصورة خاصة،

وأن الشاعر يكتب قصيدته عبر مئات الأصوات الشعرية التي تتزاحم عبر العصور.. وعبر القارات.. إنه يعيد أداء الأغنية، ولكن بأوتار حنجرته هو.. ولذلك تبدو فكرة الابتكار والجديد ملتبسة، وتحوجني دائما إلى الحذر والاحتراس.. وبهذا المعنى تشف القصائد التي أكتب عن عشرات الأصوات الشعرية من أزمان بعيد ومن قارات متباعدة من شعراء قدامى ومن محدثين ومعاصرين إن الشاعر لا يكتب قصيدته بل يعيد كتابة القصيدة، وبهذا المعنى أنتصر للذاكرة.. ثم ألحق بالخيال وبهذا المعنى يتجلي الماضي بهيئة الخالق فالعين تقرأ اللوحة، والأذن تقرأ القصيدة.. وهذه المقاربة بين الشعر والموسيقى، وهي أشرف الفنون دون منازع ليثير اعتزازي دائما ويوطد ثقتي بجدوى الشعر.

القاهرة ـ خالد محمد غازي: