لا يزال الأديب الطاهر وطار يصنع الحدث الثقافي في الجزائر، سواء بأفكاره أم بآرائه الجريئة التي لا يهادن فيها لا السلطة ولا الخصوم السياسيين أو الأيديولوجيين أم بكتاباته التي تشغل الناس.

عمي الطاهر، كما يدعوه أغلب من يعرفونه، غشي الناس في عيد ميلاده السبعين بخبر فراغه من كتابة الجزء الأول من مذكراته الشخصية. وقد اختار لها عنوان «أراه».

وهي دعوة منه لقرائه لاكتشافه، هذه المرة، طفلا يركب البراءة ولغة الصراحة... «كما لو أن شريط فيلم ارتد بي إلى الوراء حتى وجدتني رضيعا في حجر أمي..، يقول صاحب رواية «الولي الطاهر...». فيسلم له التاريخ قياده بتجلياته والأفراد بأمزجتهم والسياسة بألاعيبها والكتابة بمتاعبها والنضال بانحرافاته والعلاقات الإنسانية بأهوائها المختلفة... في هذا الحوار حديث عن بعض تخوم مذكراته.

* يقال إنه لا شيء بعد كل شيء سوى كتابة المذكرات..، هل استنفد عمي الطاهر زوادته فلم يبق له غير كتابة مذكراته؟

ـ الواقع أنه لا هذه ولا تلك... فبرنامجي، بحول الله، أن أصل إلى رقم خمسة وعشرين مؤلفا. وقد نشرت إلى حد الآن، وبما في ذلك هذه المذكرات، ستة عشر مؤلفاً. ويبقى علي العمل لتحقيق التسعة الباقية. ويجدر بي الإشارة هنا إلى أن لي كتابات ومقالات يمكن أن تشكل الحلقة الأخيرة لما أصبو إليه، بالرغم من أنني لست من هواة جمع ما نشر في الصحافة وقرأه الناس.

أعود إلى المذكرات فأقول إنني كتبتها نزولا عند إلحاح كبير من الأصدقاء والأحباب وبعض الحنين إلى طفولتي وصباي ومسقط رأسي. فمن المعروف أن هناك تناديا بين الكائن الحي وبين موطن ولادته سواء أكان هذا الكائن طيرا أم سمكا أم إنسانا. ولعل التنادي بين تراب دار جدي الحاج محند أونيس وبيني هو من وجه خطاي في هذا العمل.

* اتخذ الجزء الأول من مذكراتكم عنوان «أراه»، فما هذا الذي ترونه؟

ـ أعني أنني أرى ذلكم الطفل..، أولئك الناس الذين أتحدث عنهم سواء أكانوا أقارب وأحبابا أم خصوما أم أعداء وغير ذلك، كل بمفرده. فلا يرد اسم علي إلا وكنت أراه ماثلا في مخيلتي. وفي الحقيقة، كما قلت في مدخل المذكرات، كنت جلست قبالة مرآة كبيرة في الجدار بيني وبينها حوالي خمسة أمتار فرأيت نفسي كما لو أن شريط فيلم يرتد بي إلى الوراء حتى وجدتني رضيعا في حجر أمي...

* وهناك، إلى جانب هذا العنوان، عنوانان فرعيان هما «الحزب وحيد الخلية»، وتقصدون به حزب جبهة التحرير الوطني أو الطاهر وطار، ثم العنوان الثاني «دار الحاج محند أونيس»، فلم هذا التعدد في العناوين، وقد عودتمونا على العنوان الواحد في أغلب مؤلفاتكم؟

ـ الحزب وحيد الخلية هو أنا. فأنا أشكل دائما وأبدا حزبا قائما بذاته. وفي الوقت نفسه أقصد حزب جبهة التحرير الوطني. هذا الذي، وكما عرفته، حزبا غير معطاء، وبقي منذ الاستقلال تقريبا، يلف ويدور حول نفسه مراوحا مكانه.

* ألم تجدوا أنه من المناسب تضمين مذكراتكم نصوصكم المقصاة من أعمالكم الأدبية المنشورة ( 120 أقصوصة، ومسرحية «على الضفة الأخرى»، ورواية قلتم لنا ذات مرة إنها تعود إلى زمن الشباب ومشاغله، وما تزال تشغل حيزا في مكتبتكم ويعز عليكم التفريط فيها؟

ـ الذي قمت به هو أنني نشرت مختارات أو منتخبات مما كتبته في القصة، أي ما أثق بأنه قصة فعلا. وهنا أوجه نصيحة إلى جميع من يكتبون، وهي أننا، نحن الأدباء، لا نستنزل وحيا ولا نكتب بماء الذهب.

. نحن بشر نخطئ ونصيب. نضعف ونقوى، وما أخطأنا فيه ينبغي أن يعتبر خطأ. وبالتالي تفاديه. ثم إنني إذا لم أقتنع بنص لا أنشره، والمثل الأعلى عندي هنا هو أنا كقارئ. إذا لم أرض عن نص أجد أنه من الأنسب أن لا أزعج به غيري. أما بالنسبة إلى النصوص التي أشرتم إليها، فتبقى نصوصا...

وهي موجودة في الصحافة التونسية في الخمسينات من القرن الماضي، وقد أورد عناوينها الدكتور محمد الصالح الجابري في كتبه عن نشاط الطلبة الجزائريين في تونس، في مجلة الفكر وغيرها..، ويمكن أن تشكل أحد انشغالات الناس التاريخية فينشروها على أنها أعمال رديئة [ضاحكا] ...

* قلتم إنه يمكن للقارئ أن يعود إلى الروايات ليقرأ المسكوت عنه في المذكرات. أي مسكوت تعنون؟ ثم ألا يمكن قلب الوضعية والقول إنه يمكن للقارئ أن يعود إلى المذكرات ليقرأ المسكوت عنه في الروايات أيضا؟

ـ لا..، ليس مسكوتا عنه، وإنما ما لا تتحمله المذكرات تتحمله الرواية. فدائما وأبدا هناك إسقاط للمبدع في أعماله من نفسه. فالمذكرات لا تحتمل المسكوت عنه، بل الرواية هي التي تحتمله. والمقصود من قولي ذاك أن ما ضمنته في مذكراتي هو جزء مما كتبته في رواياتي. والعكس صحيح أيضا.

* قلتم في أحد أحاديثكم الصحفية إنكم كنتم ترتدون الزي العسكري، و«أنا مدير ورئيس تحرير لجريدة «الأحرار»، في قسنطينة، ثم الزي المدني مع جريدة «الجماهير»، في الجزائر العاصمة..،» ما معنى هذه الإحالة وذاك التحول من «الأحرار» إلى «الجماهير»، ومن قسنطينة إلى العاصمة ومن الزي العسكري إلى الزي المدني؟

ـ الإحالة تشير إلى إحالتي من هيئة الأركان العامة إلى قيادة الولاية الأولى [الأوراس-النمامشة] حيث كنت مسؤول الإعلام في المحافظة السياسية للولاية التاريخية الأولى. وقد أنشأنا في جبل فراقسو جريدة الأحرار ، طبعناها أول مرة في الرونيو، وعندما نزلنا إلى باتنة توجهت بها إلى قسنطينة فطبعناها بـ «لا ديبيش دو كونستونتين» يومها. وفي ذلك الوقت كنت لا أزال عسكريا. ولما حولت الأحرار إلى حزب جبهة التحرير الوطني أحلنا إلى الحزب. وعندما أوقفت الأحرار وجئنا إلى الجزائر.

حيث حتم علينا محمد خيضر مع مجموعة من الإطارات كعبد الله شريط وقاسم مولود وآخرين إنشاء جريدة بعنوان «الجماهير». وبالتالي غير اسم «الأحرار» لأنه لا ينسجم مع اتجاه محمد خيضر إلى حزب «جماهيري» عكس الرئيس أحمد بن بللة الذي كان يريد حزب طليعة. وكان المطلوب مني أن أحررها بالدارجة، فنشرت العدد الأول منها كذلك ثم قمت بانقلاب عليهم جميعا.

* لماذا الانقلاب بهذه السرعة؟

ـ ببساطة لأنني لم أستسغ، ونحن نستقل، التنازل عن اللغة العربية لا أكثر.

* كيف رأيتم هذا الذي يدعى مثقفا؟ أو بالأحرى ما نصيبه من رؤياكم في المذكرات؟

ـ لم أركز في مذكراتي إلا على بعض من اضطهدني من المثقفين سواء بأوامر من بعض مسؤولي جبهة التحرير وبتحريض منهم. والحقيقة أنني اضطهدت كثيرا، وتحملت ما لا يطاق...

* هل يمكن معرفة بعض التفاصيل والأسماء؟

ـ لا..، أترك هذا لحين صدور المذكرات. والغريب هو أن العنصر المثقف لم يلعب دوره الكبير بعد انقلاب 1965.

*..، والسبب؟

ـ السبب أنه عندما يبعد الرأي الآخر وتقمع الحريات يبتعد المثقف تلقائيا عن الساحة ولربما يعمل في الخفاء كما كنا نفعل.

* ألا يتحمل المثقف نصيبا من المسؤولية في هذا المآل؟

ـ لا..، أبدا... لا. بل هذا إرث تاريخي ومن تقليد معاداة حركة التحرر الوطني الجزائرية للمثقف، معاداتها لكل من يقرأ ويكتب.

* اعتبرتم الحديث عن الشؤون العاطفية/ الوجدانية، بتعبير حسين مروة، أمرا ثانويا جدا، أو هو بمثابة نوع من استراحة المحارب، في هذا الجزء من المذكرات. هل تعتبرون علاقة عمي الطاهر بالأدبية بزليخة سعودي كذلك؟

ـ أنا لم أصل بعد في ما كتبته من المذكرات إلى هذه المرحلة، بالرغم من أنني أقفز من حالة إلى حالة. والمقصود من العبارة أن الإنسان عندما يكون في خضم معركة؛ وأمامه هدف، و أعداء وخصوم وخلفه تحديات تكون الفسحة التي يمنحها لنفسه محدودة. ولربما تبدو غير ضرورية ويمكن الاستغناء عنها. ولست أدري إن كنت تذكر رواية «لمن تقرع الأجراس» لهيمنغواي. في هذه الرواية فسح محدودة للحب، وفي المقابل هناك حضور طاغ للموت.

* يبدو عمي الطاهر راسخا في تبنيه اختيارات الشارع الجزائري السياسية في ثوريته حينما تبنى الاشتراكية، أو فرضت عليه، ثم حينما جنح شطر الإسلام السياسي. كيف تجدون هذا الموقف، أهو أصالة في الطبع، أم هو ميل إلى حيث تميل الريح؟

ـ أولا أنا في السبعينات حيث عزة اليسار كان لي نفس الرأي ونفس الموقف... في هذه المذكرات تحدثت بالتفصيل عن معتقدي. وبينت ما هي شيوعيتي؛ حيث أجد أنها لا تنفي الله ولا تتعارض مع المؤمنين، بل تستعين بهم. وهي شيوعية تأخذ بعين الاعتبار الدورة الاجتماعية. بمعنى أن إنسان اليوم ليس هو إنسان ما بعد عشر سنوات وبعد عشرين سنة. وأنا أسمي هذا دورات اجتماعية. ولم أنكر هذا الاتجاه وما أزال عليه. فأنا أومن بالله وأحترم المؤمنين.

وفصلت أيضا أن إلهي أنا ليس هو الإله المخيف، بل هو إله محيي الدين ابن عربي والأمير عبد القادر، كما أنه الإله الذي يتحد مع الإنسان ومع الكائن. فأنا متصوف أساسا، بمعنى آخر تلقائيا، أو أنني أعرف قبل أن أعرف محيي الدين ابن عربي والحلاج وجلال الدين الرومي وكبار المتصوفة، بل وكان لي نفس الرؤية للإله، وللعبادات.

* ما دمتم ذكرتم الصوفية، هناك قراءة أو تأويل لأعمالكم الأخيرة وبالتحديد ل«الولي الطاهر 1 و 2» تتجه لتصنيفها في باب الأدب الصوفي. فماذا تقولون؟

ـ ليس في هذه الأعمال شيء من الصوفية سوى بعض الشطحات وبعض الحركات ، وإنما هي رمزية. هي روايات رمزية مائة بالمائة.

* هل أحس وطار يوما بأنه مهدد بفقدان ولايته أو مقامه الأدبي [والزكي]حتى ينوه بعودته إليه ؟

ـ أنا لم أنوه بعودتي إطلاقا... بل لم أغادر. فعندما قلت إن هاتين الروايتين رمزيتان، فذلك لأن فيهما إسقاطا على الحركات الإسلامية: جماعة الهجرة والتكفير، جماعة المعتدلين الذين يدعون بالتي هي أحسن، وكذلك الأمر بالنسبة إلى رواية الشمعة والدهاليز. هذه الروايات، أعيد وأكرر، روايات رمزية ليس فيها شيء من شخصي ماعدا الاسم.

وقد تجنبت استعمال عبارة «الولي الصالح»، وأنا العارف بمعنى الصلاح في الدين الإسلامي، وهي مرتبة يتبناها حتى الرسل، لأني لم أشأ أن أخدش عواطف المؤمنين وأتباع الأولياء والمتصوفة ، فقلت الولي «الطاهر» لا «الصالح». وليس لي في ذلك بديل. ثم هناك ملاحظة هي أنه بقي على وضوئه في الرواية.

يرى وطار نفسه كاتباً مؤرخا لحركة التحرر الوطني الجزائرية والعربية والعالمية. أو على الأقل، من خلال حركة التحرر الوطنية الجزائرية يتناول حركات التحرر الكونية وككاتب واقعي يستخدم شخوصا لأشخاص موجودين سواء سلبا أم إيجابا، وأحيانا بأسمائهم الحقيقية كما يستعمل اسمه الشخصي أو اسم الهواري بومدين وغيره .

وهو كما يقول يعتبر هذا تجريبا في مجال الرواية. لأننا مللنا من الرواية الخيالية المحضة والتجريدية، نريد أن نقدم من خلال الرواية واقعا فوق الواقع وبين الواقع والخيال.

الجزائر ـ مراد الطرابلسي