كيف لك أن تحب، وأنت لا يمكن إلا أن تحارب، وكيف لك أن تحارب وأنت لا يمكن إلا أن تحب.. في ظل هذه المتضادات الممكنة والمراثي المحتشدة بإبعادها الإنسانية الهائلة على سفح الكتابة، أي القصائد تلك التي تشتبك معك، لتجعلك وصيها المتّبع من خلف محرقة الكلام، تسمعها وتسمعك، على مقربة من حراب حروفك أو بهاء دموعك، لتفترسك وحيداً بصرخاتها المنزوعة من هدير أصابعك وأوراق دمك.

تحزنك وتفرحك وتختزلك إلى شهقة ما أو نبرة ما، تستعذب شهداء حنجرتك وسلال مآتمك، هي القصيدة التي تلتحم معك وتصهرك، تذوب فيك وتذوّبك، تستلف منها ألياف حزنك ونكبات تمزقك.

وهي تواريك التمزق والانفلاق ونبرات الحميم، تهجم عليك وتهجم عليها، كأنك تحاربك أو تحارب صوتك الممتد إلى آخر قصيدة ماء انبعثت من جفون أنكيدو المسؤرة بالعنف والقتل والتوابيت الوافرة على أرض القصيدة والنخيل، لوحة جاثمة بالفقد على ذلك الحزن العراقي الطويل، صراخ يسمعك أو صراخ يحتويك، صراخ في القصيدة، في الحب، في الموت، في التبلل بالرصاص .

وفي الألم المفتوح فوق فرات الكتابة وعلى أهازيج البعد المؤجلة عن لون الفرح، والمرشحة من صراخ، صراخ من مرايا الروح والريح والأمكنة، صراخ من صراخ، بل عطش من صراخ وقصيدة من صراخ القصيدة، وأغنيات من ضفاف عنيدة، ضفاف تندب ذارفيها فوق حد الدموع المحناة بتربة الفاجعة والترمل والغياب.

في (ألوان باسلة) المنتج الشعري الرابع للشاعر العراقي علي حسن الفواز، تلتقي القصائد مع بعضها مكونة قصيدة واحدة، هي قصيدة الذاكرة التي تنز بالحرب والدم والأنثى والحكايا والأصدقاء، أو بالأحرى هي قصيدة الحكايا من أزمنة تنهرت من حكاية أخرى، انطلقت مدوية بكل أفواهها الباسلة وأوتارها المرّة من خلف تراث الهزائم والقهر والمسرات المؤجلة.

حيث الشاعر فيها كائن متحرك في رئة الحرب وحامل لكل هذه الأشياء المتداخلة، لأنه مركز السلام الذي يحتفي بأكثر الأشياء عنفاً وأكثفها موتاً أو فزعاً أو فرحاً منتظر وما بينهم تلك المسافات المنبعثة من الأنين والسهاد والأنباء المتناثرة على صفحة الفؤاد المتوقد من غنائم آخر ولوج لوني إلى جسد الحرب القاتمة، من دلالات وعناصر تستسقي حضورها الحديدي المثمر من جغرافيا وطن يئن وحيداً في دم الشاعر والقصائد والحياة.

ففي تجليات علي حسن الفواز، حتى للحروب حدائقها وأعمارها، كلماتها وأنوثتها وشهواتها المرعبة القاسية والقادرة وعبر تشظياتها الموجعة افتتان ذلك الإدمان القسري للموت وكثافة الموت لثيمة الإنسان العراقي، من خلال تلك الهتافات المعجونة بماء التفجع والدهشة والخسران، أصوات لها حيزها الواقعي والحقيقي المرسوم بشدة على جسد النصوص، لما يمر به الآن المشهد العراقي المعاصر من حتوف قائمة بعنفها الكبير.

حيث رسمت القصائد هذا المشهد المفزع بألوان متعددة ومؤلمة تنطلق من ذات الشاعر وأحلامه المرصودة بانفلاقه الحتمي واحتفائه المشهدي الإنساني الساخن الذي يصل إلى حد الانفجار، بحثاً عن لحظة من بياض أو حياة بديلة مشتعلة بالأنثى وبالمطر وبليلة من هدوء.

«ارتضيت بأجديتك الصغيرة

وبريقك المشوش

وأصابعك المشتعلة بالقلق..

ارتضيت، بأن بياضك الخفي

يمكن أن يبادلني سواد الحرب

وسواد الرصيف

ويمنحني مواقيت لاصطياد المذنبات..»

لتأتي النصوص محناة بضوء ناطق الحياة ومكائد الحياة، تصاحبه تنويعات أسلوبية لها حيزها المشحون والمتوتر بفعل عطايا تلك الصورة الشعرية المتحركة التي تعمل بقوة مع فضاء التعبير المميز وهو يرصد تلك المواجع المجبلة بالألم، والمنطلقة من مخيلة مشتعلة بذات الشاعر تساهم في أنجاز عملها، لتملأ حركة النص بتلك اللوعة القادرة على الاشتعال دائماً .

ومن خلال عاطفة تزدحم بالأمل والبياض رغم قحط الأمنيات ومدى تفاعلها المصيري مع طاقة الخيال والتي تعمل ومن خلال قناطرها المغذية للنص، دوراً تقنياً فذاً يساعد على تنظيم عناصر النص واحتفائه المنير بالحياة والموت معاً.

وبتلك الشحنة الإنسانية التي لا تغيب عن ذاكرة القصائد المشحونة بروائح العنف والحسرة والنزيف في تجليات غير قابلة للسكون رغم أفواه الغياب وحتمية الألم، حيث يمثل جسد الحرب وجسد الحب،ثنائية تلتصق بمناخها الإنساني والاستثنائي المملوء بتلك العوالم المدماة بوجدان الشاعر والقصيدة في آن واحد، استسقاء للهدوء أو تحفيزاً لرئة الحرية وهي تبصر شهيقها المتوجع في حضرة الألم الممتد بشغف لملامسة عصب البراءة المضيء بلغة الروح والقلب والأشياء والأمكنة.

«يا جسدي ..

يا بيت الحرب وبيت اللذة وبيت الخوف

يا رمل الصحراء وخائنة الأسماء

هذا افراط الليل عليك

صهيل للوجع النابت فيك

وطبول للوقت الهارب كالطير المذعور

فما تفعل دون كنوز الجسد الفضي

وماذا تفعل دون خصاص الباب المصل للأخطاء ؟».

فمن ألوانه الباسلة ومن خلال نصوص تحاول أن تنهش السعادة من غابات الحب والحرب وعلى هودج الصبر والنشوة والافتراس، الحامل والمترشح من تجليات علي حسن الفواز، ينسكب الشعر حزيناً، موجعاً ومتفجراً من سبابة تعلن الكائن المفتون بالحرقة والتغرب والتضاد، باقة من أجنحة باسلة يحلق فيها الشاعر صوب أقاصي الإنسان، رغم رحى العنف المتورمة بخلايا الأسلحة والتموج والكائنات على حطب الرافدين.

حين ذاك، يمكن لك أن تحب لتحارب، وان تحارب لتحب، لتنبعث من ساقية مصائبك وأنهار تعبك، لوحة تعج بالراحلين وبتلك المسافات الناطقة بالحب وماء الحب، صهيلاً قديماً لأبجد القلب وزوادة غرثى بملح الترقب والظمأ، لقيامات حبر الخلاص الوفي على خارطة الماء والصراخ والتمزق والأمكنة.