استضافت خشبة مسرح قصر الثقافة بالشارقة في الأسبوع الماضي مسرحية «مواويل» لمخرجها سالم باليوحة الذي حقق عن العرض نفسه الجائزة الكبرى خلال تكريم العرض في ختام ورشة مجلس دبي الثقافي في الشهر الماضي.
مسرحية مواويل هي عزف صولو منفرد للممثلة الشابة صوغة يرافقه أداء متنوع ومتعدد لممثلين اتخذوا من شخصيات حكايتها متكآت للظهور بشكل لافت.. وما يميز إعادة هذا العرض على خشبة قصر الثقافة هو دعوة دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة له ليكون ضمن أجندة نشاطها الثقافي في شهر رمضان كما حدث لمسرحية الظمأ لمسرح كلباء ومسرحية مولاي يا مولاي لمسرح أم القيوين الوطني.
والدخول إلى عالم مواويل يستدعي في البداية العودة الى خلفية النص الذي ألفه الكاتب سالم الحتاوي ثم اشتغل على إعداده المخرج عبدالله صالح وجاء ليدخل مشغل المخرج الشاب سالم باليوحة متعرضا لنوع قاس من التكثيف والشطب والحذف ولغربلة دقيقة أحالته إلى لحظة حاسمة في حياة امرأة رافقت الشقاء لأنها امرأة أحبت ذات يوم وعشقت حمامة الأحلام خانها رجل دفعته أنانيته إلى بابها ورجال آخرون في الحي لا يرغبون في وجودها بين نسائهم..عالم ذكوري تسيطر عليه الفحولة في مقابل امرأة وابنها الذي جن عقله وطار لأنه قرأ صورة الواقع الذي أحاط به فوجدها جحيماً.
قدم نص مواويل في محاولتين لمخرجين يعدان في الساحة المحلية من الطراز الأول، لكن لم يصل هذا النص على يديهما إلى ذروته والى أعتى لحظاته البلورية وأنصعها الا مع مخرج شاب دخل ورشة تدريبية ليتعلم مفردات الإخراج وليتكئ على نص لا يتجاوز عرضه أكثر من 25 دقيقة ومع مجموعة من الهواة الشباب..فما الذي قلب ميزان هذا النص وحوله إلى حالة من حالات النصوص التشيخوفية التي تنز بقهر المقهورين وعذابات المعذبين وتنبش تفاصيل قيعان النفس لدى الشريحة المهمشة والمركونة والمرمية خارج أسوار المنطق الجمعي لحي لا يعلو فيه إلا صوت الذكورة ورائحتها.
من خلال تلمس جماليات وتداعيات الفرجة التي حققها سالم باليوحة وفريقه الشاب في هذا العرض يمكن البحث عن إجابات مقنعة لأسئلة تحول عرضاً من مستوى مقبول وجيد الى مدهش ورائع.
في عرض مواويل المختصر والمبتسر هناك تدفق واشتعال للاحالات والبؤر التي ستتحول فيما بعد الى شرارات اكبر لانسياب الفرجة وتقوية عامل الجذب..تنير الإضاءة قن الدجاج فيبدو وجه بطلته شاحبا حزينا ومعذبا..تكنس بمكنستها غبار الشقاء والعذاب.. تغني موالاً تستحضر جمالها من قاع قدر حولته إلى امرأة.. تجلب بقايا من ذكرياتها وذكريات الحبيب الأول من فوق حبل الغسيل.. رجال يلعنونها ويلعنون ابنها الذي اتهموه بالجنون والعته والتسبب في قتل موتاهم وكأنه الطاعون يمشي.. ابنها المجنون يرتمي في وسط المسرح بعد ان يولد من بقعة ضوء بجانب باب الدار.
هكذا تخطف متواليات الحدث حبل الفرجة تشده وترخيه حسب اتفاق متقن بين النص والممثل والأداء واللعبة الإخراجية.
خلص سالم باليوحة النص من ثرثرته الأدبية مضحياً بجمالياتها وجواهرها من اجل الحالة الدرامية ومن اجل اللحظة البلورية..كثف حوامل الدلالات وأطلق شرارتها اجتاح كامل مساحة التمثيل، داخلها وخارجها.. كشفها وعراها منذ البداية فصار متصالحا مع المتفرج، لم يخدعه ولم ينبهه إلى ضرورة اللعبات الخادعة، ففناء البيت مكشوف للخارج وذاك الخارج مكشوف حتى على تفاصيل سرير النوم.. في هذا البيت لم يكن هناك شيء قابل للستر، وأحاديث الساحات والطرقات الخارجية ستكون حاضرة في ثناياه.
من هنا يمكن الإجابة عن العديد من الأسئلة التي جعلت الجمهور يعيد النظر في نص قديم ويبدأ تأمله من جديد.. وهذا أيضا لا يعني ان التجربتين السابقتين قد تغافلتا هذا الأسلوب في صيد الدلالات، وانما كانت هناك عملية نسبية، ومخرجنا قدم مواويل بنسبة مدروسة، نسبة فتح الدلالة على انفجار المعقولة وفي جرعاتها الكافية.
عرض مواويل الذي يلعب بطولته بجانب الممثلة صوغه الفنان عبد الله سعيد يحيلنا إلى المناخ التشيخوفي وأساليب الرصد الخفي لأعماق وأغوار الإنسان ودواخله.. إنها فرجة تستحق التأمل إذا ما حافظت على دقتها.
مرعي الحليان