قال عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين قبل 80 عاما «نحن لم نكتب هذا الكتاب هازلين ولا لاعبين» كأنه يتنبأ بأن يظل كتاب «في الشعر الجاهلي» موضع مناقشة كما تسجل ذلك طبعة جديدة بمقدمة اضافية لناقد مصري بارز. ويبدو الكتاب الان كأنه سياحة ذهنية في التاريخ واللغة والشعر والأديان والأساطير.
كما يشير تقرير النيابة بعد التحقيق مع المؤلف الى سعة أفق وتسامح بعيدا عن استسهال توجيه الاتهامات لكتاب يؤرخ في الدراسات النقدية الحديثة بما قبله وما بعده.ورغم انقضاء سنوات على صدوره لاول مرة فان الناقد المصري عبد المنعم تليمة يرى أن أهمية هذا الكتاب «الباقي» هو أن مؤلفه الذي رحل في مثل هذه الأيام قبل 33 عاما تصدى لمحاور كبرى في التاريخ العربي والأدبي بعيدا عن التواتر الأسطوري والغيبي من خلال ثلاثة محاور هي..
من العرب وما تاريخهم وما تاريخ لغتهم وأنه في إجابته عن الأسئلة الثلاثة كان واعيا بفلسفة التاريخ وعلوم اللغة والتعامل مع النصوص.وأشار الى أن في الكتاب مادة صالحة لبيان سبل النهوض وتحرير العقل والإصلاح الثقافي. وتقع الطبعة الجديدة من الكتاب في 292 صفحة متوسطة القطع وصدرت عن دار رؤية بالقاهرة وأدى الكتاب الذي صدر لاول مرة عام 1926 إلى مثول مؤلفه للتحقيق الذي حفظ في النهاية.
وفي العام التالي أعيد نشر الكتاب بعد حذف بعض سطوره مع تغيير عنوانه الذي أصبح «في الأدب الجاهلي».كان العميد «1889 ـ 1973» في فورة الشباب والحماسة لما يؤمن به حين لم يطمئن الى ما استقر عليه الاقدمون فنفى أن يكون معظم الشعر الجاهلي كتب في عصر ما قبل الإسلام مشددا على أن هذا الشعر لا يمثل الحياة الدينية والعقلية واللغوية للعرب.
وقال «شككت في قيمة الشعر الجاهلي وألححت في الشك أو قل ألح علي الشك فأخذت أبحث وأفكر وأقرأ وأتدبر حتى انتهى بي هذا كله الى شيء ان لم يكن يقينا فهو قريب من اليقين ذلك أن الكثرة المطلقة مما نسميه شعرا جاهليا ليست من الجاهلية في شيء وانما هي منتحلة مختلقة بعد ظهور الإسلام فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر ما تمثل حياة الجاهليين...ان ما تقرؤه على أنه شعر امرئ القيس أو طرفة «بن العبد»
أو عمرو بن كلثوم أو عنترة ليس من هؤلاء في شيء وانما هو انتحال الرواة واختلاق الاعراب». ويخلص حسين في «هذه النظرية الخطرة» على حد وصفه الى أن القران هو الاكثر دقة في تصوير ملامح العصر الجاهلي نافيا أن يكون الشعر الذي يسمى بالجاهلي من الوجهة اللغوية والفنية قيل أو أذيع قبل أن يظهر القران.
لا ينبغي أن يستشهد بهذا الشعر على تفسير القران وتأويل الحديث وانما ينبغي أن يستشهد بالقران والحديث على تفسير هذا الشعر وتأويله...القران أصدق مرآة للحياة الجاهلية». وفي تقسيم الرواة واللغويين للعرب يفرقون بين العاربة وهم القحطانية في اليمن والمستعربة وهم العدنانية في الحجاز «وقد اكتسبوا العربية اكتسابا« وهم أبناء النبي اسماعيل بن ابراهيم.
ولعل ما استوقف معارضي العميد وهز معتقداتهم الدينية جملة شهيرة قال فيها «للتوراة ان تحدثنا عن ابراهيم واسماعيل وللقران أن يحدثناعنهما أيضا. ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقران لا يكفي لاثبات وجودهما التاريخي فضلا عن اثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة اسماعيل بن ابراهيم الى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها».
ورأى أن لغة قريش ولهجتها سادت في منطقة الحجاز قبيل الإسلام «حين عظم شأن قريش وحين أخذت مكة تستحيل الى وحدة سياسية مستقلة مقاومة للسياسة الاجنبية التي كانت تتسلط على أطراف البلاد العربية» مشيرا الى أن الإسلام ساهم بقدر كبير في فرض لغة عامة واحدة هي لغة قريش وتعميمها على العرب.
وقال ان معظم الشعر الجاهلي ضاع بسبب عدم تدوينه وبعد قتل كثير من رواته في الحروب كان بنو أمية في حاجة الى الشعر «لتقدمه وقودا للعصبية المضطرمة فاستكثرت من الشعر وقالت منه القصائد الطوال وغير الطوال ونحلتها شعراؤها القدماء». واستشهد بكتب تراثية منها «طبقات الشعراء» الذي قال مؤلفه محمد بن سلام ان قريشا كانت أقل العرب شعرا في الجاهلية «فاضطرها ذلك الى أن تكون أكثر العرب انتحالا للشعر في الإسلام».
وكان حسين أول من حصل على درجة دكتوراه تمنحها الجامعة المصرية عام 1914 قبل أن يذهب في العام نفسه الى فرنسا لدراسة العلوم الاجتماعية والفلسفية وينال درجة الدكتوراه عام 1918 في الفلسفة الاجتماعية لمؤسس علم الاجتماع عبد الرحمن بن خلدون من جامعة السوربون.ثم تولى تدريس التاريخ والأدب بالجامعة المصرية منذ عام 1919 إلى أن عين عميدا لكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول «القاهرة» عام 1930.