يأتي العيد محملاً بالسلوى لكل القلوب العامرة، يغمرها بالنور وحنين الذكريات والليالي المترعة بالإيمان والوجد، بعد أن مرّ شهر فضيل، وقبله شهور وسنوات وعقود، ونحن نعّد اللحظات الهاربة من أعمارنا، نركض وراء سراب ليالينا، يفرحنا بلقاء قريب كل ما فيه نور على نور، نبكي للحظات نعرف تمام المعرفة أنها سترحل رغماً عنا، لكننا نعزي النفس بالنسيان ولو إلى حين.

هو الأمل، الكائن الجميل الراغب دائماً بمرافقة أرواحنا ومدّها بنسغ الحياة، لتورق مآقينا بالدمع المزّنر بالياسمين، نغسل أرواحنا المتعبة بماء زلال يجلي ما في نفوسنا من أرق كتب علينا أن نعيشه على الدوام.

هي الحياة بكل ما فيها من فرح وحزن، ومن لحظات لا تنسى، تمسك وجيب القلب عن الخفقان في صباحات تشي دائماً بالهدوء، لكنها تخفي وراءها غمامات من القلق والهواجس التي لا تنتهي، فتبدو فيها الكتابة نوعاً من الإفراج الطوعي عن بعض ما في نفوسنا التواقة أبداً إلى الدعة والهدوء.

أما الليالي.. فحكايات وحكايات وتداعيات أفكار وصور، نستأنس بها، نحاكيها ونبتدع منها قمراً يضيء ليالي عاشقينا الزاهدين في الفراق الصامت الموحش الكئيب، إلى أن يطل الفجر فتغفو تباريح الوجد متعبة من طول الانتظار، على نهار ككل النهارات التي تبدأ من حكايات الصبر ولا تنتهي إلا مع بزوغ القمر من جديد.

بين الحياة والأمل يمتد برزخ من الأحزان والآلام، لا بد أن نعبره لندرك حلاوة الأيام وروعة الأعياد التي تتشابه في مواعيدها وتختلف في ظروف قدومها، بين ربيع العمر، وصيف الحماقات، وخريف الحكمة، وشتاء تلاويح الوداع الصامتة، مع أن العمر يمضي غير آبه بنا، سواء سابقت أحلامنا الريح، أم بقينا خائفين وجلين من هفيف النسيم الذي يطل علينا مرة فيشعل في أرواحنا حرائق حمراء لا تنطفئ بين حنايا بياض الورق ووردية الأحلام.

يا الله..!! كم نحتاج إليك لتجلي عنا الوهن، ونحن نطوف بأرواحنا في الأرجاء والأنداء، فنرى الحزن يعشش في أزقتنا العتيقة، خانقاً أحلامنا الصغيرة، وكل ما نريده عيد يحمل بعضاً من نور محبتك التي زرعتها فينا، وأطفال بأيديهم الراعشة الممدودة إلى حبات اللوز والسكر وفرحة خطواتهم الأولى.

الكل يحب بياض الياسمين وضوعه، لكننا نحب العيد أكثر.. العيد الذي يملأ قلوبنا بأنوار بهيّة فيها الحنين الدائم إلى كل ما هو ناصع بهي فقدناه ولم نعد قادرين على الرجوع إليه، حتى ولو بقينا العمر كله ننتظر.. العيد يأتي كل عام متجدداً، يكبر معه الأطفال، فيما الطرقات المقفرة في المساءات تودع الأزاهير البيض التي بقيت حزينة، وحيدة، بعد أن حفّها نسيم الوجد، فرحلت دونما كلمة أو تلويحة وداع، لأنها تعرف جيداً أن الذكريات الحلوة لا تحتاج إلى مواعيد وعناوين، بل يكفيها فقط أن تذكرنا بالعيد كل عام.

alomawi@albayan.ae