تعرض مسرحية «كرسي» للكاتب البريطاني إدوارد بوند على خشبة مسرح الكولين في مدينة باريس من الرابع عشر من شهر سبتمبر حتى الثامن عشر من شهر اكتوبر المقبل من العام الحالي. ويقوم المخرج الفرنسي آلان فرانسون بإعادة عرض هذه المسرحية بعد أن عرضت للمرة الأولى في شهر يوليو المنصرم ضمن فعاليات مهرجان أفينيون المسرحي حيث لاقت نجاحاً كبيراً.

تحكي المسرحية عن امرأة اسمها «أليس» وجدت ذات مساء من مساءات عام 2051، طفلاً صغيراً أمام أحد أبواب المدينة وقد وضع في علبة صغيرة ثم قامت باصطحابه إلى منزلها. لم تقم بإعادته إلى السلطات المختصة بل قررت الاحتفاظ به. في عام 2077، كبر الطفل وصار عمره 26 عاماً، اسمه بيلي ولم يكن قد خرج أبداً من بيت أليس الصغير. فقد كانت تعتبر الأمر مستحيلاً بل خطراً بالنسبة له. كبر الطفل بيلي وهو ينظر إلى العالم من النافذة ولكنه لم يكن سعيداً أبداً.

كانت أليس تحدد له ما يجب أن يقوم به وما لا يجب أن يقوم به. وهكذا فإن أليس وبيلي قد أوجدا لعبتهما الخاصة بهما وكل ما يتناسب مع تلك اللعبة فقد ألفا تلك العلاقة فيما بينهما وعاشا طوال تلك الفترة على هذه الطريقة. ذات صباح، يكتشف أحد الجنود قصة الصبي بيلي فتضطر أليس التخلي عنه. يترك بيلي المنزل ويمضي وحده طليقاً. وهنا فإن مكتب الأمانات المتعلق بالأطفال لم يتساهل لتلك المخالفة الخطيرة لأعراف المجتمع. ولكن عندما تصادف السلطات مشاكل معينة فهي تتجاوزها. وهنا تطرح المسرحية التساؤل التالي : أليست هذه الطريقة هي الأفضل لمعالجة تلك المشكلة؟

إن مسرحية «كرسي» كانت قد صدرت ضمن مجموعة «المسرحيات القصيرة الثلاث» التي كتبها إدوارد بوند عام 2000 من أجل اليافعين. فأحداث المسرحية تدور في مجتمع تشوبه علاقات القمع ففي العام 2077، يصبح الكائن الإنساني (كحالة أليس مثلاً) مشبوهاً أو يمكن أن يتعرض لمواقف مشبوهة في حياته خارج حدود بيته.

في مسرحية «كرسي» إن أقل شعور ينتج لدى الاحتكاك الإنسان بمثيله قد يعرضه لمساءلة ما قد توقعه في شرائك وتعرضه لخطر ما كما حصل مع أليس في مواجهتها مع الجندي الذي اكتشف قصة سجنها للطفل بيلي.. تقوم حبكة المسرحية على تلك المواجهة بين أليس والجندي حيث أن أليس تمثل السلطة العائلية للطفل بيلي لبنما يمثل الجندي سلطة المجتمع. وهكذا فإن أليس التي خضعت لإرادة المجتمع بدت في موقف المواجهة المباشرة مع الجندي الذي اكتشف قصتها مع الطفل الذي لم يعد يطيق ذلك السجن الأبدي.

أما عن عنوان المسرحية الذي يبدو إشكالياً بعض الشيء فهو يعبر عن تلك الكرسي التي يجلس عليها الطفل بيلي طويلاً والتي تتحول إلى نوع من السجن الذي يعزله عن العالم. الكرسي هي ذلك الغرض المألوف الذي نجلس عليه عموماً والذي يقتنيه البشر جميعاً. وهنا ففي المشاهد التي تجمع الطفل بيلي مع المرأة أليس نرى الطفل جالساً على كرسيه وهو يقوم ببعض النشاطات التي تعود عليها كالرسم والكتابة. إن إدوارد بوند يظهر في هذه المسرحية فكرة اللاإنسانية الخطيرة التي تهز مجتمعنا البشري في أي مكان من العالم. وعبر هذه الحادثة العنيفة والمأساوية، فهو يؤكد أنه يرغب بإيقاظ وعي المشاهد لحالات مشابهة وذلك بهدف تجنبها في المستقبل إذا ما تعرض لها يوماً ما.

يبدو أسلوب الكاتب واضحا كما هي العادة في معظم مسرحياته. فمسرحية «كرسي» تركز على صعوبة التواصل مع الآخر في مجتمعنا الراهن والمستقبلي، ويبدو أن الكاتب يتنبأ بمستقبل قاتم للعلاقات الإنسانية التي يسودها جو من الخوف والحذر من الآخر.. ولد إدوارد بوند عام 1934 في مدينة لندن وعاش في كنف عائلته المنحدرة من أصول قروية. عرضت مسرحيته الأولى «أعراس البابا» عام 1962.

في نهاية الخمسينيات أرسل إدوارد بوند نص مسرحيته «زمور في ساحة أتروس» للمسرح الملكي Royal Court Theatre وبعد عامين من هذا التاريخ أحدث عرض مسرحيته «المنقذين» أكبر فضيحة في المسرح البريطاني آنذاك. كتب إدوارد بوند أيضاً مسرحيات للراديو ومسرحيات غنائية للأوبرا كما قام بعدة ترجمات إلى الانجليزية وكتب الشعر أيضاً.

باريس ـ منتجب صقر