(الشعر والدين ) عنوان الأمسية الرمضانية الأخيرة التي أقامها نادي الشعر في إتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، وشارك فيها عدد من الشعراء والأدباء، وأدار النقاش فيها عبدالرزاق درباس منسق النادي، والذي تحدث في البداية عن الآراء التي تناولت العلاقة بين الشعر والدين من منطلق أخلاقي، وما قيل عن أن الدين أضعف من شاعرية بعض الشعراء كحسان بن ثابت الذي قيل انه كان شاعراً فحلاً في الجاهلية، فلم أسلم ضعف شعره، في الوقت الذي أكد فيه عدد من النقاد أن الدين الجديد هذب الشعر ووضعه في خانة خدمة الدعوة الإسلامية وقد استخدم الرسول الكريم الشعر كسلاح في المعركة، وسمع من بعض الشعراء الغزل الراقي العفيف.
فقد بدأ الشاعر الإماراتي إبراهيم محمد إبراهيم، النقاش من مقولة ان الشعر كالكلام بالنسبة للدين، فحسنه حسن وسيئه سييء، من دون المغالاة في القول ان الشعر واسع حر إلى ما لانهاية، ولا يجوز التدخل فيما يقوله هذا الشاعر أو ذاك، حتى ولو تجرأ البعض منهم في الحديث عن الذات الإلهية بشكل ممجوج، معتبراً أن الشاعر القدير المتمكن هو من يستطيع فنياً ولغوياً وشعرياً أن يأتي بنفس الدهشة والجمال من غير التطرق إلى الذات الإلهية.
وحول أسباب تراجع مستوى بعض الشعراء بين الجاهلية والإسلام أكد إبراهيم أن ما أضعف شعر العرب بعد الإسلام هو التقوى، فصار الشاعر ينتقي ألفاظه، يحاسب فيها، يخاف من العقاب، كما أن الحذر قلّص الكثير من الصور التي كان يندفع فيها في الماضي.
مشيراً في الوقت نفسه إلى ذهن الشاعر وخياله هو كون آخر مقابل للكون العظيم الذي نراه وربما أوسع منه، لأننا لو تأملنا هذا الكون بأرضه ونجومه وبحاره ومخلوقاته فهو محدود، وكل ما يقع عليه البصر مشمول ومدرك، أما الكون الداخلي فهو شيء آخر يكاد يكون مطلقاً، خاصة إذا آمنا أن الشعر ليس نقلاً للواقع ولا صورة فوتوغرافية، بل إعادة صياغة الحدث والمرئيات والأشياء بطريقة إبداعية أخرى.
وفي حين رأت الشاعرة الإماراتية جميلة الرويحي، أن حسان بن ثابت لم يصب بالضعف بعد إسلامه، ولكنه تحسن للأفضل فصار شعره أحسن فنياً ولغوياً، فعلّق منسق نادي الشعر أن قضية هذا الشاعر، إشكالية من منطلق أننا عرفنا عن شعره بعد الإسلام أكثر مما عرفنا في الجاهلية، فالنقاد سلطوا الضوء على شعره لغرض ديني وليس لغرض فني جمالي. وأكد د.إبراهيم الوحش أن الشعر إذا ابتعد عن الرذيلة لا يتعارض مع الدين تماماً، فقد كان في الشعر الجاهلي مجموعة من القيم والأخلاق النبيلة، فجاءت مرحلة الإسلام لنلاحظ التطور في الأساليب والمواضيع.
معقباً على ما قال الشاعر إبراهيم محمد إبراهيم، بأن هناك مجموعة من الشعراء يظهرون على حساب شتمهم للذات الإلهية وخروجهم عن المسار الشعري الصحيح، الذي تستطيع معه الشاعر أن يصل إلى فنية وجمالية الشعر من خلال المفردات والأنساق التي تفضي إلى الجملة الشعرية الراقية، التي تعبر عن حاجتنا إلى الشعر الذي يوازي الحدث الذي نعيشه، قريباً من استشراف الأمور، بعيداً عن التطاول على الذات الإلهية والرموز الدينية.
وقال د.إحسان الرباعي: لو كانت اللغة ليست مهمة كما يدعي البعض، ما كان القرآن الكريم كمعيار مثالي قد حافظ على قواعد اللغة، ولو انتقلنا للحديث عن مفهوم الآلهة والدين.
لوجدنا أنها تدل على مفهوم واحد عند الجميع وهو البحث عن المقدس، لذلك أعتبر التمثال- الصنم شيئاً مقدساً لا يجوز الاعتداء عليه بالشعر أو بأي شيء آخر، وإذا تجرأ شاعر وسخر من أحد الأصنام في حينه قامت الدنيا ولم تقعد، لهذا السبب نجد المفاهيم المقدسة للدين في التصوير عند الإغريق واليونان الذين ربطوا جزءاً من إبداعهم بالإلهة المقترنة بالمرأة.. وعندما جاءت المسيحية وجدت أن معنى الله موجود في الأيقونة فابتدع فن الأيقونات، كذلك عندما جاء الإسلام فأرسى معنى الله، المجرد، الواسع، بلا حدود.
مما أعطى الفن الإسلامي ميزة التجريد الواسع الفضاءات، هذا في الوقت الذي لم يضعف الدين الإسلامي الشعر، بل غيّر المفهوم الجمالي عند الشعراء المسلمين كحسان بن ثابت الذي تحول عنده اندفاع في المعركة إلى مروءة واستشهاد، وما كان يسمى غزواً صار جهاداً في سبيل الحق.
في حين رأى الشاعر نصر بدوان، أن مقولة (يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره)، تنحصر في مفاهيم النحو والصرف ولا علاقة لها بالتعدي على القيم والمفاهيم، والشعراء الذين تجرأوا على الدين فعلوا ذلك على خلفية انتماءاتهم الحزبية والعقائدية، في حين تحدث الشاعر محمد إدريس عن الآية الكريمة التي تشير إلى الشعراء، ورسالة الشاعر ودروه في مجتمعه، فيما تحدثت الباحثة روضة الأشقر عن مفهوم الأدب العربي وفتراته قبل وبعد الإسلام، متطرقة إلى موضوع تضمين الشعر آيات كريمة .
أنس الأموي