هل للمكان ذاكرة أيضاً ؟ هل يبادلنا الحميمية والدفء والحنين كما نبادله؟

ربما أرقى العلاقات التبادلية بين الموجودات هي علاقتك كإنسان بالمكان. بدءاً من الأرض التي تزرعها مروراً بالبيت الذي تعمره وبالحارة وبالوطن. وكلما منحت المكان جديداً بادلك الذاكرة.

الذاكرة المخلصة لوجودك، التي قد تشيخ قبلها أو تُهدم قبلك. الذاكرة التي لا يمكن لأي مكان أن يبادلها لأي كائنين بالسوية ذاتها، أكان في العش على الشجرة أو في مقعد صف المدرسة، أو في الدرب إلى البيت، أو في الركن المحبوب من الغرفة والسجادة والمدفأة وفراش الأحلام.

وربما لتوزع الملامح على الوجوه ألفتها الخاصة بذاكرة أمكنتها لدينا أيضاً حين نعتقد أننا شاهدنا هذا الشخص من قبل. وربما لذاكرة المكان صلة بتمييز موهوب عن آخر، وبقدرته على كتابة الرواية بدلا من الشعر. وربما لها أساس بتباعد تشكيليين ينتميان للمدرسة ذاتها تبعاً لعلاقة كل منهما بالأمكنة التي يحب.

ويظل المكان أكثر تضحية وإخلاصاً ممن غادروه طواعية، ويزداد جمالاً وأصالة وتعتقاً لمن غادروه مشردين، ولمن مستهم الدنيا بوباء غربتها. ويغدو حزيناً منكسراً أمام من ظللهم أصحاب أمكنة أخرى بيوميات الاغتراب.

ولكن متى تتشابه الأمكنة؟

القبر أقرب الأمكنة للتشابه، لكنه يختلف أيضاً بين قبر جماعي وقبر فردي. وبين قبر رخامي منقوشة الآيات على شاهديه بماء الذهب، وقبر في غابة موحشة، حفر رفاق صاحبه اسمه على شجرة صنوبر، شاهده الوحيد، كي تتعرف عليه والدته حين تضع الحرب أوزارها.

وحين وضعت الحرب أوزارها قبل لوثة التقنية وصرعة العولمة لم يكن لسؤال تشابه الأمكنة وجود، رغم بساطة الأمكنة، بدءاً من أصغر أشكال التبادل بين الصفحة والأصابع التي ترسم ذاكرة لها بقلم الرصاص - والرصاص يشبه الرصاص - قلما نجد خطاً يشبه الآخر، وقلما نجد ذاكرة مكان تشبه الأخرى.

ومروراً بالكتب التي نقرأ وتترك ذاكرتنا في ذاكرة المكان صوراً بصرية وملمساً مميزاً وخطوطا تحت كلمات تخصنا، وثنياً لصفحة تركت بنا أثراً أو تركناها لنعود لها من جديد.. رقماً لصفحة تحتوي هوامشها لمعنى مغاير لما كان في جعبتنا منذ سنين. إهداء على الصفحة الأولى من عم رحل منذ زمن بعيد.

قبلة عنابية اللون من ابنة الجيران التي كان بيتها يتكئ على شجرة الجمّيز العتيقة. لوحة غلاف رسمها صديق جميل صار فناناً عالمياً مشهوراً.

لكننا ها نحن الآن نتشابه بتشويهات حروفنا وخطوطنا وبشاشات كمبيوتراتنا وبأخطاء (الوورد) وبألوان الأطر وبأرقام الصفحات وبالهوامش الميتة وبعدد الكلمات التي عاشتها. و. و.

هل من يختزلون الذاكرة الجمعية الآن يكرهون ذاكرة الأمكنة؟ هل من لا حضارة لهم يحقدون على كل الحضارات القديمة لأنها ما زالت شامخة في الأرض؟ وهل سينسفونها من عقولنا لعجزهم عن اقتلاعها من ذاكرة الأمكنة؟

هل من لا تاريخ لهم سيحولون كل التواريخ الكونية إلى كبسة زر في أجهزة العتمة والضوء التي سيصنعون؟

mah7z@hotmail.com