عندما نقرأ بالعربية شعراً كتب بلغة غيرها ونكاد لا نشعر بتلك الهوة التي غالبا ما نواجهها في الشعر المترجم.. تتبادر الى الذهن أفكار ربما لخصها او لخص بعضها قول «بوليسي» انجليزي هو «تحتاج الى لص للقبض على لص». واذا اردنا «ترجمة» هذا القول عمليا بعيدا عما يبدو من «ابتذال» متوهم فيه وهو ربطه بمعناه الاول القريب.. نصل الى اننا بحاجة الى نفس وعقل يستطيعان فهم نفس وعقل آخرين ومعايشة تجاربهما كي يمكن نقل هذه التجارب او ما يقاربها بشكل تبقى فيه محافظة على روحها وعلى دم الحياة الذي فيها.

وكما يقال أحيانا في النقد عن شراكة ضمنية بين شاعر وقارئ لنتاجه كي تصبح عملية التلقي ناجحة.. فإننا بكلام آخر بحاجة الى قدرة على شراكة تقوم الى حد ما بين من نترجم نتاجه ومن يقوم بترجمة هذا النتاج. ومن هنا نفهم القول الانجليزي في شكل آخر هو اننا نحتاج الى شاعر لنقل قصائد شاعر آخر او «للقبض» على قدر مهم من تجاربه وحالاته النفسية والفكرية.

عند قراءة سابينس دون ان نعرف من هو مترجمه.. نشعر بأن من أعطى قصائده الاسبانية الأصل صياغة وروحا عربيتين هو شاعر ايضا. هذا ما فعله الشاعر اللبناني «المهجري الحديث» قيصر عفيف بعدد من قصائد خايمي سابينس ابن المهاجر اللبناني الذي يعتبر الآن اهم شعراء المكسيك حيث يعيش عفيف.

الصفحات المئة والثماني المتوسطة القطع التي صدرت بالعربية بعنوان «خايمي سابينس.. قصائد مختارة» والتي «هيأ» نصها العربي قيصر عفيف اصدرتها «دار نلسن» في السويد في نطاق منشورات مجلة «الحركة الشعرية» في المكسيك التي يتولى عفيف رئاسة تحريرها.

في «تقديم» نقرأ عفيف الشاعر والناقد والصحافي الذي درج على ان يمضي قسما من ايام الصيف سنويا في لبنان متحدثا عن ان «تاريخ الهجرة اللبنانية الذي بدأ منذ منتصف القرن الثامن عشر لم يكتب ولم يوثق بعد. منذ البداية كانت الأضواء تسلط على المهاجرين الذين أصابوا نجاحا في أعمالهم وكان النجاح دائما يعني الثروة الطائلة... لكن لم يتناول احد حياة المهاجرين الفقراء الذين قضوا على الطرقات وفي الأدغال ركضا وراء دينار الغربة الأسود.

انقطعت إخبارهم واختفت اثارهم... كما لم يتناول احد الشرذمة التي وقعت فيها بعض العائلات فتفرق أبناؤها في الجهات كما حصل لعائلة صغبيني وهي اصلا من منطقة سهل البقاع اللبناني. فمن اصل ثلاثة اخوة من عائلة صغبيني استقر اثنان في كوبا اما خليل الشقيق الثالث فاستقر في المكسيك والتحق بالجيش الجمهوري تحت قيادة الرئيس فنستيانو كارانزا

ووصل الى رتبة رائد وعرف باسم خوليو. لاحقا تزوج من ابنة حاكم ولاية تشيابس الجنوبية وانجب منها ثلاثة اولاد اخرهم خايمي الذي ولد سنة 1926 والذي كان أصغرهم وبالتالي أكثرهم دلالا والذي أصبح أكثر شعراء المكسيك شهرة وشعبية في القرن العشرين.

يروي الشاعر عن طفولة رائعة في كنف والديه ظل يتذكر ما كان يرويه والده من قصص حملها معه من لبنان ومنها قصص «عنتر» ومغامراته وكثيرا ما كان الأب المهاجر يردد أمام أولاده أغنيات شعبية لبنانية. وتقلب الفتى في مدارس ومعاهد وأمضى سنوات في دراسة الطب لكنه أدرك انها ليست مهنته.

ويصف تلك السنوات في المدينة بقوله «أظن ان سنوات الوحدة والألم هي التي صنعت الشاعر في. تعلمت الوحدة والقلق والاضطراب في الحياة البشرية. قرأت بجنون.. خصوصا الكتاب المقدس. كان هذا الكتاب عزائي لا بالمعنى الديني ولكن لأني رأيت فيه اناسا اخرين يتألمون يعانون الوحدة والحب وتحطمهم الحياة كل يوم.

درس سابينس في كلية الآداب والفلسفة في الجامعة الوطنية في مكسيكو وتعاطي السياسة لفترة قصيرة فانتخب نائبا ومن ثم عضوا في الكونجرس عن مكسيكو ونال عددا من الجوائز الادبية.يقول عفيف تخدعك بساطة الشعر الذي تركه خايمي سابينس. تعبير واضح بسيط يستمد صوره من الحياة الريفية في المكسيك لكنه يحمل المعاني الوجودية العميقة للمعاناة البشرية.

تقلباته بين الريف والمدينة اغنت تجربته وطبعت شعره بهذه الميزة الخاصة من البساطة الصعبة وربما لهذا السبب لم يقبله النقد الاكاديمي المكسيكي في بداية الامر. سألوه مرة عن النصائح التي يعطيها للشعراء الشباب فقال عليهم ان يعيشوا صخب الحياة اولا ثم يكتبون عنها وتساءل اذا لم نكتب عن الحياة فعن اي شيء آخر نكتب.. و الحياة هي كل الاشياء التي تحيط بنا... وقد قال اكتافيو باث عنه انه افضل شعراء الاسبانية المعاصرين.

غنى خايمي الموت في كل مناسبة. في نهاية احدى قصائده قال الموت لا يقتل/ الموت ليس الموت/ الموت ملجأ وملاذ/ رفيق مثل ام وحزين/ الحياة هي التي تقتلنا/ ترمينا. تسلّمنا.وتبعدنا. في بعض نماذج من شعره نقرأ في قصيدة «القمر» قوله «ضع ورقة من القمر تحت المخدة/ ترى ما تحب ان تراه/ احمل معك دائما زجاجة من هواء القمر/ تساعدك حين تكاد تختنق/ اعط مفتاح القمر/ للمساجين والبائسين/ للمحكومين بالاعدام/ و المحكوم عليهم بالحياة/ فليس من منبه افضل من القمر/ يعطى تحت المراقبة/ في جرعات محددة».

في قصيدة «تماما كما السراطين» يصف خايمي سابينس غربة رهيبة فيقول «تماما كما تترك السراطين الجرحى/ مخالبها على الرمل/ هكذا اهجر رغباتي/ اعض ذراعي واقطعها/ اشذب ايامي/ واحطم نفسي/ اكاد ابكي.../ اين ضعت/ ومتى جئت لاسكن بيتي/ اشبه نفسي كثيرا/ حتى اولادي يظنون اني والدهم/ وزوجتي تردد الكلمات المألوفة..».

في قصيدة عنوانها «عن الألم» يقول سابينس» كتب في وصية الإنسان الأولى/ لا تحتقره لانه يعلمك اشياء كثيرة/ استضفه في بيتك هذه الليلة/ ولابد ان يرحل عند بزوغ الفجر/ ولكن لا تنس ما قاله لك/ من هناك/ من تلك الظلال القاسية».

في قصيدة «المومسات» يقول يا مخلصة العالم/ تعطين اللذة ولا تطلبين سوى حفنة من العملة البائسة/ لا تطلبين ان يحبك او يحترمك احد/ لا تقلدين الزوجات بالتباكي والملامة والغيرة/ صبورة انت... لا تعرفين الحقد. في ختام قصيدة «شيء عن الرائد سابينس» اي والده يقول «ولت الريح/ وبقيت البئر في البيت مفتوحة/ وبقيت الجذور خرابا.. عبثا نبكي.../ فلن يسمعك احد/ ولن يتطلع صوبك احد/ ولن يعود احد. لا شيء/ لن يعود غبار الحياة الذهبي.

«وكالات»