يأتي رمضان كل عام بطقوسه، وعاداته، وقيمه الروحية، وأيامه تميز العالم الإسلامي، وعوالمنا العربية بالذات.

وبمرور الزمن تختلف أيامه.. وهذه سنة التطور الحياتي، لكن أصول رمضان تبقى ثابتة بثبات السنة، وتعاليم ديننا الحنيف، وأعني بالاختلاف في العادات والتقاليد التي كانت مثلاً محكومة بطبيعة الحياة، كان الفريج أو ما نسميه بالمصرية «الحتة» أو بالعراقي«المحلة» وبالمغربي « الزنقة» كان هذا المجتمع يشكل صورة من العادات الجماعية التي ترتبط بها كل أبناء الجيران، فالفريج وحدة اجتماعية مرتبطة بأخلاق وعادات تصل إلى القرابة والرحم.

ولكن عصرنا الحاضر غّير نمط الحياة وتغيرت جغرافية الفريج، ابتعدت الأبواب، وامتدت أسورة الحدائق طويلة عالية، وتعددت طوابق البناية وانغلقت أبواب الجار، بعد أن كانت مفتوحة على بعضها في انتظار الضيف وابن السبيل.

في الترويح عن النفس، اختلفت وسائل الترفيه، حينما لم تكن هناك وسائل ترفيه، كان الناس يلجأون إلى مقاهي الفريج، في العراق مثلاً كانت لعبة المحيبس تنتشر في ليالي رمضان، وتتبارى الفرق التي تمثل تجمعاتها السكنية لقاء صينية بقلاوة أو زلابية، أو صحن هريس، أو بعض الأكلات التي يتميز بها الشهر الفضيل.

عندما انتشر دور الراديو.. كان الصوت الذي يتميز به كل مساء أغاني رمضان المعروفة في كل الوطن العربي، وفي مقدمتها «رمضان جانا وفرحنا بو» وأغنية «وحوي يا وحوي» وصوت صباح وفؤاد المهندس «الراجل ده هيجنني» وتطورت الحياة، وبدأ التليفزيون يأخذ دوره وبدلاً من الاستماع من الراديو، بدأنا نشاهد صباح وفؤاد المهندس، والأغاني الرمضانية المصورة، والقليل من المسلسلات البارزة التي بالضرورة كانت تترك أثرا عند المشاهد.

وحينما انفجرت ثورة الاتصالات والمعلومات، وتعددت القنوات الفضائية، وبلغ عددها إلى أكثر من 300 قناة عربية، دخلت أيام رمضان ضمن اهتمامات مسؤولي هذه القنوات واستغلت أيام رمضان تجارياً تحت ستار الفن الدرامي، والبرامج المختلفة، سواء كانت دينية، أو غيرها، واختلط الحابل بالنابل، وألغث بالسمين، والجيد، والردئ، وأصبحنا بحاجة إلى أيام نقتطعها من بدايات رمضان لنستقر عند مسلسل يمكن مشاهدته بالحدود الدنيا، أو برنامج يمكن مشاهدته دون إسفاف مع التحفظات والنوعية نادرة أمام هذا الكم الكبير من الإنتاج.

وإذا كنا نستطيع التوقف عند مسلسل أو أكثر يمتلك مستوى ما ويملك مشروعية المشاهدة على الأقل، فإن البرامج الترفيهية الخفيفة تجعلك كل ليلة تحبط، وتضطر للهروب من الشاشة الصغيرة، بعد أن تنافست هذه البرامج على التفاهة والإسفاف والسقوط والنكات الماسخة، المجه حتى برامج الكاميرا الخفية التي كانت تجذب المشاهد إلى حد ما، هي الأخرى قد سقطت في الهاوية بعد أن عجز ممثلو الدرجة العاشرة من اتقان التهريج. ورغم ذلك فالفضائيات تتسابق في تقديمهم للمشاهد، وكأنهم واجب مفروض عليه بعد الإفطار.

والسؤال الذي يطرح نفسه..

لماذا لا تحاول هذه الفضائيات احترام المشاهد، وعقله، وإحساسه، وذوقه، وتحاول أن تمحص قليلاً وتقدم الجيد..؟

أليست النوعية الجيدة أفضل من هذه الكثرة الرديئة؟!

أليس البرنامج النوعي إضافة للقناة ذاتها؟!