دأب نادي الشعر في إتحاد كتاب وأدباء الإمارات على الاحتفاء بالإصدارات الجديدة للشعراء، وقد أصبح من المألوف في الأماسي تقديم قراءات نقدية إلى جانب القراءات الشعرية..

وفي هذا الإطار استضاف النادي الباحث عبد الفتاح صبري الذي قدم دراسة نقدية في مجموعة عمر شبانه الجديدة (الطفل إذ يمضي)، فيما تولى عبد الرزاق درباس منسق نادي الشعر مهمة إدارة الأمسية التي افتتحها بمقاطع من الديوان الجديد نختار منها:

ـ هي الدنيا تقول/ تعال يا ابن العتمة البيضاء/ فالأمل يجيء كما الحقول/ كما الينابيع التي تجري ولا تصل/ وبين بداية وبداية نمضي/ كأن العمر ليل نستريح به من موت طويل/ هنا الشاعر سيبدأ من نهاية الخليقة/ من عناق الدم/ من أنثى البدايات السحيقة في كتاب الورد/ من دمها الحرائق/ من ثنايا بحرها الجبلي/ من جبل خرافي/ ومن بحر على الغابات/ من شجر يحَد الساحل السوري/ من إيبلا إلى صيدا/ ومن أرواد حتى مركبات النار في أثينا.

ولأن عبد الفتاح صبري مهموم القصة وهو المشرف على نادي القصة بإتحاد كتاب وأدباء الإمارات، فكان من الطبيعي أن يختار لدراسته عنوان (تجليات النزعة القصصية ـ الطفل إذ يمضي ـ مرثية لعمر لم يكن جميلاً)، مشيراً في البداية إلى أن الديوان الجديد يرتكن في بنائه المضموني على القصة الشعرية.

فالشاعر يتخيل فضاءاته الشعرية التي يحقق فيها ذاته، إضافة إلى التخييل القصصي ليكون سادراً لرؤيته الروائية، فكانت قصة الشاعر الذي يقطن الدور العاشر، لتبدأ المفارقة القصصية الأولى والبعد الشعري الأول، هذا المكان المتمحور علواً سيساهم في الإطلال على الأسفل أو ما دونه برؤية مغايرة ونفسية أخرى.

ففي الشعر يخبو المكان ولا يعلو غير صوت الحس والوجدان والشعور ولكن في القصة للمكان سطوة أخرى وعنصر أساسي فيها، وهذا الإبداع في التمازج يعطي للسرد القصصي الشعري ميزة الجمع بين جنسين من الأدب، حيث تنهض القصة هنا على الاختلاف بين المستوى الوصفي الذي يهتم به فن القصة.

وبين وصف التجربة الحياتية في شكلها وحسها الوجودي والعبور إلى عمق وكثافة هذا العالم غير المرئي والمنشود في آن، فهذا التمازج بين المادي الوصفي والمعنوي الشعوري قبض عليه (الطفل إذ يمضي) في محاولته البحث في إشكاليات رحلة الحياة في أبعادها الميتافيزيقية، وإن محاولة البحث عن الذات والوجود هي مساحة للبوح وفضَ مكنون النفس والذات، وبث إشارات الرؤية الحياتية والنفسية تجاه الوجود وجدوى الحياة من عدمها.

ولأن عمر شبانه شاعر متمرس سبق وأصدر (احتفال الشبابيك بالعاصفة) 1984م، و (غبار الشخص) 1997م، فإنه في مجموعته الجديدة يأخذنا في مرثيته الباكية إلى طفولة ولَت وطفل قطع الأزمان ولم يزل يبحث عن نفسه وذاته، فهذه الارتباكات المتشظية في متن الديوان تطالعنا بلا مواربة، كاشفة عن عمق حالات الانهيارات الإنسانية التي تسَور إنسان اليوم، حيث يؤكد الشاعر على ذاتيته منذ العتبة الأولى، لبراءة ولَت وما زالت تنتهك دربها نحو الأفول.

وتساءل عبد الفتاح صبري في معرض دراسته الجديدة أننا لو ألغينا العناوين الفرعية هل يصبح الديوان قصيدة واحدة بكائية لزمن غير جميل، مجيباً أننا سنرى أن الديوان هو سيرة الإنسان الذي أعترك حياته بحلوها ومرَها ولكنه لم يكن حيادياً بالقطع في إيراد ذكرياته عبر هذا الزمن الذي بدا الآن في الطابق العاشر في مدينة إٍسمنتية، وفي رحلة استرجاعية إلى عشرات السنوات التي خلت، ليؤكد في النهاية الحصاد المرَ ومرَ الذكريات.

وعلى الرغم من تطور الشعر وتبدل الحياة التي خبت فيها الأنا واحتضن الشعر الإله النبي العراف، وتحول الشاعر إلى إنسان عادي مهمش مثل غيره وتنازل في كثير من الأحيان عن مناقشة قضايا الكون الكبرى وقضايا الإنسان العظمى فاكتفى بإشكالياته هو، وتوفر على البحث في مفردات اليومي والمعيش..

فهكذا فعل عمر شبانه إلا أنه ما زال لديه بعض من نبي يسكنه ويسجنه معه في الطابق العاشر ليمسح معه سنوات عمر امتدت إلى الخمسين منقباً عن إشكاليات الفردية وأيضاً إشكاليات بني جنسه.

وعن المظاهر الفنية التي تجلت في قصائد المجموعة الجديدة، أشار الباحث إلى تقنية السؤال وجماليات المكان وسؤال القيمة والرؤية الشعرية للشاعر مؤكداً أن التداخل بين الشاعر وأشيائه وحدَ الذات بالعالم كما تماهى الداخل بالخارج فحلت الحركة محل السكون.

وتأسست لغة تخرق الجدار الخارجي وتطال العالم وكأن الفعل الرؤيوي في العملية الشعرية ينزع إلى رؤية العالم فضاء من الغموض يجب فكه والوقوف على كنهه ومداه وأسراره والبحث عن محطات النور. بعد ذلك فتح باب التعقيبات والمداخلات من الحضور والتي تميزت بالجدية والحدة في بعض الأحيان.

أنس الأموي