يوماً بعد يوم كبرت أحلام القاصة السورية الشابة نغم منير ناصر، فبعد أن قدمت (ياسمين الجنوب) ونالت عنها جائزة خاصة من الوحدة الثقافية في حزب الله، توالت قصصها المترعة بحب الأرض والإنسان، فقدمت (رحلة في ثنايا الروح) عن حياة وشهادة السيد عباس الموسوي، كما كتبت عن بنت جبيل، في الوقت الذي تنوي فيه الخروج إلى فضاءات أدبية وإنسانية واسعة عبر التركيز على جدوى الثقافة والأدب الجاد في تغيير الكثير من الوقائع، تماماً مثلما فعلته المقاومة الوطنية اللبنانية في جنوب لبنان.
واليوم نرحل معها لتروي لنا حكاياتها التي لا تنتهي، وقصصها التي تستمد بريقها من أرواح من قدموا الغالي في سبيل الوطن في زمن صعب أقل ما يوصف بأنه زمن الهزائم العربية.. هي دعوة للوقوف والتفكير والتأمل وقبل أي شيء رحلة مع الذات والضمير.
* لنبدأ من «رحلة في ثنايا الروح» التي صدرت مؤخراً عن دار الهادي ببيروت، والتي تناولت فيها حياة وشهادة السيد عباس الموسوي، لماذا اخترت الكتابة عن هذه الشخصية بالتحديد؟
ـ رشحتني الوحدة الثقافية في حزب الله بعد نجاح (ياسمين الجنوب)، للكتابة عن القادة الشهداء، وقد اخترت شخصية السيد الموسوي الأمين العام السابق لحزب الله لأنني معجبة بسيرته وحياته وأكن الاحترام الكبير لشخصيته وما قدمه في سبيل الوطن.
في البداية كنت أفتقد لمعلومات دقيقة وتفصيلية عن مراحل حياته لأنني أعتقد أن كتابة سيرة ذاتية تتطلب المصداقية والحرص والأمانة لذكر الأحداث بدقة عنهم، لذلك اعتمدت على كتاب (أمير القافلة) الذي يتحدث عن حياته وشهادته، بالإضافة إلى معلومات موثقة من موقع خاص على شبكة الإنترنت لحزب الله، ومع ذلك كانت تنقصني الكثير من التفاصيل عن حياته الإنسانية والأشخاص الذين كانوا معه، فاعتمدت على التخيل لأكمل ما كتبت.
* ألم تشعري بالتردد والخوف من الوقوع في مطب الاختلاف بين التخيل الأدبي والواقع، خاصة وأن العمل مروي على لسان نجله ياسر؟
ـ بالعكس كانت لدي معلومات أساسية عن حياته كشهيد وكيفية تعامله مع المحيطين به، فتخيلت كيف يمكن أن يتعامل مع ابنه وقد رباه بطريقة يستطيع معها في عمر معين أن يفكر بوالده، لذلك لم أشعر بهذا الفرق الذي تتحدث عنه، خاصة وأنني أحببت أن أبتكر نوعاً بسيطاً من السرد القريب من الناس والذي يستطيع الجميع استيعابه من دون أن يشعر أحد بالملل.
* وكيف تصفين ردة فعله بعد قراءة العمل؟
ـ قال لي لا أعتقد أنني لو فكرت بالكتابة عن والدي، سأكتب أفضل مما كتبت، كذلك في المقدمة التي قدمها لرواية رحلة في ثنايا الروح، وهنا أود أن أشير إلى أن دار النشر صنفت هذا العمل الأدبي كرواية وليس قصة.
* في القصة أماكن عدة بين بعلبك ودمشق وفلسطين، وصولاً إلى لحظات الاستشهاد، فهل كان ببالك توظيف هذه الأماكن والرموز أدبياً للوصول إلى ما تريدين؟
ـ لم يكن ببالي سوى التركيز على أمر هام وهو أن السيد الموسوي لم يكن يفكر بحصر المقاومة في جنوب لبنان، فأحببت أن أشير إلى فلسطين المحتلة التي يقدم أبناؤها كل يوم دماءهم الطاهرة فداء لها.. أشعر أحياناً بصغر ما أقدم وأكتب أمام صنيع هؤلاء الأبطال، وقد علمتني الأيام وزادتني ثقة أن قيمة الحياة هي بمقدار ما نقدم في سبيل الوصول إلى الحرية والكرامة.
وهنا لا أنكر أن دمشق كعاصمة للصمود والمقاومة حاضرة في قلبي وعقلي وقلمي وأنا أعتز بانتمائي لسوريا التي علمتني بأن أنين التراب في أية أرض مستضعفة هو أنين لترابها، وعلى إيمان تام بأن سوريا رمز لاحتضان المقاومة وتقديم الشهداء أمثال عز الدين القسَام وجول جمال وكثيرون يثبتون على الدوام الدور الريادي لها في هذا المجال.
حوار مع الذات
* على هذا الأساس إلى أي مدى أنت راضية عما قدمته بعد «ياسمين جنوب» التي نلت عنها جائزة خاصة، وماذا تعني لك الجوائز حالياً؟
ـ راضية بالقدر الذي أشعرت فيه أن الناس قرأوا ما كتبت عبر هذا السرد الأدبي البسيط القريب منهم، وأحسوا أنهم يتابعون سيرة أحبة لهم عاشوا معهم وأحبوا فيهم روح الشهادة والمقدرة على بذل الروح في سبيل الأرض التي عاشوا عليها فترة من الزمن، هذا يكفيني خاصة وأنني أركز في كل ما أكتبه على النواحي الأخلاقية والجهادية في الشخصيات التي أتناولها، وهذا ما شعرت به في (رحلة في ثنايا الروح).. المهم عندي نجاح ما أكتبه ومتابعته من قبل الجمهور وهذا بحد ذاته يشكل أسمى الجوائز التي يمكن أن أحصل عليها.
* وكيف تصفين «بنت جبيل»؟
ـ كتبت عنها قصة بعنوان (ذاكرة التراب)، الآن وبعد النصر الجديد أقول بكل ثقة، إن تراب بنت جبيل حاضر من جديد يودع في ذاكرته إرثاً عظيماً، بعد أن شهدت هذه البلدة ولادة جديدة لنصر مبين حققته إرادة المقاومين وصمودهم وتصديهم البطولي لمحاولات جيش الاحتلال المتتالية التوغل في هذه البلدة التي دحرت تقدمهم، ليبقى ترابها مباركاً طاهراً بخطوات أبطالها الشرفاء لا تدنسه أقدام الغزاة الصهاينة.
. كانت روحي تسمو بهذه البطولات وكنت أشعر أنني أعانق السعادة والفخر بصمود بلدة كتبت عن دورها البارز في احتضان المقاومة أثناء الاحتلال الإسرائيلي للجنوب وها هي تعلن من جديد الولاء للنصر وتغرس في ربوعها راية تثبت مجدداً انتصار الحق على الباطل بقوة أنصاره وليس بقوة قرارات الأمم المتحدة.
لقد أثبتت لي هذه المقاومة على الصعيد الشخصي أن من وثق بماء لم يظمأ، مشاعر الفخر والعزة ترافقني كل يوم لأنني وثقت بأولئك الأبطال ولأنهم أهدوني وكل عشاقهم نصراً أجمل مما كتبت.
مساحات واسعة للأمل
* وهل في نيتك الاستمرار في الكتابة في هذا الإطار؟
ـ أصادف بشكل دائم أشخاصا يقولون لي إن كتابتي عن المقاومة لا تلامس الحياة الاجتماعية ومشاكلها التي يطلبون مني الكتابة عنها، في الحقيقة المقاومة جزء لا يتجزأ من الحياة الاجتماعية بكافة أشكالها في الرواية التي أكتبها حاليا أحاول استقطاب جمهور جديد إلى جانب جمهور المقاومة، جمهور الحياد إذا صحت تسميته أو ربما جمهور لا مبال بقضايانا المصيرية التي تتطلب التفافه حول المقاومة وامتهان أدوار البطولة في هذه المرحلة الخطرة كأبطال في المواجهة .
وليس مجرد كومبارس أو جمهور غافل عن أهمية المقاومة في تحقيق الحياة الكريمة الذي يطمح لتحقيقها إضافة للمقاومة بمفهومها الشامل عن طريق التحرر من العادات الموروثة الخاطئة، إضافة إلى التحرر من كافة مخلفات الاستعمار وأهمها الطائفية، إضافة إلى ألغام الاستعمار الجديد المتمثلة في العولمة وأخطارها، لذلك يتوجب أن يتبنى مجتمعنا العربي مفهوم المقاومة بكافة أشكالها التي لا تتجزأ.
ربما سأتجه للكتابة من منحى اجتماعي وبطريقة مختلفة، تتناول المقاومة من نوع آخر عن طريق الرسم أو الكتابة أو التغلب على المصاعب والمطبّات التي تواجه جيل الشباب في مسيرته، وأعتقد أنني أمتلك الرغبة والأفكار الجادة للسير في هذا الطريق، فبعد (ياسمين الجنوب) و(رحلة في ثنايا الروح) و(ذاكرة التراب)، لم أنته بعد من كتابة (قصة جريح) .
وهذا الأخير أضاف بشكل ما أفضلية للقصة التي تتحدث عن جريح في المقاومة، شاء قدره أن يجعله بطلاً من أبطال الوعد الصادق، وقد شارك فعلاً في التصدي للعدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان وأعتقد أن مشاركته تلك ستؤرخ لأحداث لم يرد ذكرها في القصة سابقاً، علماً أن الجريح والأسير الذي أكتب عنه هو من أبناء بنت جبيل.
حوار: أنس الأموي
