في معرضه الاستعادي الشامل الذي شهدته صالة مصطفى علي للفنون بدمشق، قدم الفنان التشكيلي السوري عبدالقادر عزوز كشفاً لتجربته والمفاصل التي تحركت ضمنها، منذ مطلع سبعينات القرن الماضي، (وهو التاريخ الذي غادر فيه هذا الفنان محترفات كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق) وحتى اليوم، عزوز واحد من فناني مدينة حمص الذين أدمنوا السفر السعيد في عوالم اللون الجميل الحاضن بأمانة وصدق، لاخضرار بساتين العاصي وسحر خريفها، ووداعة فلاحيها.
خلال ثلاثة عقود ونيف، تمكن الفنان عزوز من رسم ملامح شخصية فنية متميزة ارتبطت به دون غيره، وضع لها منذ البداية جملة من المسارات، مازال يتحرك ضمنها حتى اليوم، مشتغلا على موضوع رئيس هو ثنائية الحياة، عالجه بنوع من التشخيصية الواقعية المبسطة والمختزلة، شهدت عدة انعطافات، لكنها كانت دائمة الارتداد إلى أصولها الأولى التي كونتها.
ثنائية الحياة، أو تلازم السالب والموجب، والرجل والمرأة، والحار والبارد: موضوعات متأصلة في تجربة عبدالقادر، رافقته منذ مشروع تخرجه في كلية الفنون الجميلة عام 1970 وحتى اليوم. لقد ظلت أعماله تتحرك ضمن محور الإنسان وعلاقته بالكون، وهو المصدر الأساس لولادة موضوعات فنه القائم على حوارية متكافئة وغنية، بين الخط (الرسم) واللون، وبين الجسد الإنساني وأشياء حميمة بسيطة وديعة، يعيشها الفنان ويتفاعل معها، بكثير من العذوبة والنداوة والصدق مثل: البيوت القديمة، والطبيعة، والطبيعة الصامتة وغيرها.
والفنان عزوز الذي ظل وفيا للمقومات التي نهضت عليها تجربته الفنية، لم يقف يوما عن محاولة تطويرها واغنائها وتصعيد قدراتها التشكيلية والتقانية والتعبيرية، وفي الآونة الأخيرة، ادخل عبدالقادر إلى لوحاته عناصر جديدة قام بتثبيتها فوق سطحها بطريقة التلصيق (الكولاج) مزاوجا بذلك بين الرسم واللون والورق والكرتون والشاش، بهدف تحريك هذا السطح وحقنه بقيم تشكيلية بصرية وتعبيرية جديدة.
بين الحين والآخر، تفلت من الفنان عزوز لوحات خاصة يعلن فيها انتماء صريحا وملهوفاً، لصيغة تعبيرية انطباعية جديدة مفعمة بالحياة، مترفة بالحس الشاعري الرفيع الذي من غير السهل التقاطه وسكبه في الخطوط والألوان، سوى على الفنان الذي يعيش الحياة ويرسمها.
أبرز ما يلفت الانتباه في تجربة هذا الفنان، عودتها الدائمة إلى المنابع الأولى التي كونتها. ولانه دائم الإضافة إليها، فقد ظلت بمنأى عن برودة النمطية، ورتابة التكرار، واطار الشخصية الضيق. سعيداً، مرحاً، متغلغلاً في العذوبة، يمضي عبدالقادر عزوز في استنهاض عوالم لوحاته المتوجة بامرأة الحالات المختلفة: الأم، الحبيبة، الرفيقة، الأرض، الوطن.. وهذه المرأة ـ الملكة تختزل عنده الزمانات التي مضت، وتبشر بالتي ستأتي.
محمود شاهين