بشجاعة اتخذت (كيرستن هارمس) مديرة دار الأوبرا الألمانية ببرلين، قرارها بإلغاء عرض أوبرا (موتسارت)، لقناعتها أن عرض هذا العمل المسرحي سيثير أزمة في الأوساط الثقافية في العالم الإسلامي، بعد أن اتبع المخرج أسلوباً استفزازياً يظهر رؤوس (محمد والمسيح وبوذا) مقطوعة، يضعها ممثل ثيابه منقوعة بالدماء على كراس مجاورة والدم يقطر منها.

ما الذي يحدث ومنذ متى يعتبر التعدي على الرموز الدينية والإنسانية إبداعاً لا يجوز أن يخضع للرقابة، ولم استثن مخرج العرض الألماني المشين (موسى) نبي اليهود، هل خاف على رأسه أن تطيح به الآلة الإعلامية الصهيونية، أم أن الملك الكريتي (أيدومينيو) الذي عاد من حرب طروادة بعد تيه دام سنوات طويلة، قد وجد نفسه مضطراً للتضحية بابنه إلى (بوسيدون) إله البحر، لكنه تراجع بعد أن سمع النداء الإلهي بقرب النجاة، فتخلى عن عرشه لابنه.

في حين أصرَت إحدى القنوات التلفزيونية النرويجية على عرض الرسوم المسيئة ضمن شريط وثائقي تناول القضية وما رافقها من ردود أفعال في العالم الإسلامي، متجاهلة الرسائل والخطابات التي وجهها المجلس الإسلامي بالنرويج بعدم بث الرسوم مرة أخرى، حتى ان رئيس تحرير مجلة (ماغازينت) قال إنه لا يعتذر إطلاقاً عن نشر الرسوم لأن ذلك يأتي في إطار حرية التعبير..؟!

هل يقف العالم على فوهة بركان يؤذن بصدام فكري وثقافي بين الإيديولوجيات والأفكار والبربرية التي تهاجم كل ما هو جميل ومشرق في حياتنا، ومتى كان الرجوع عن الخطأ رذيلة يجب الابتعاد عنها وتجافيها، وهل الجميع على خطأ، وحرية التعبير عن الوقاحة والبجاحة على صواب، وهل نحن أمام نوع جديد من الاستباحة في حقيقتها حرية سامة تنفث غلها في شهد الكلمات والتعابير البراقة.

لم لا يتعلم هؤلاء الحمقى من مزارعي اسبانيا البسطاء الذين قرروا التخفيف من احتفالاتهم التقليدية السنوية وألعابهم النارية، بعد أن اعترف عمدة قرية اسبانية صغيرة يكاد لا يعرفها أحد، أن تفجير دمية تمثل الرسول هو تصرف عدواني ليس ضرورياً يمكن أن يؤلم مشاعر بعض الناس فقرروا عدم القيام به مرة أخرى.

لكن قبل أن يتعلموا من هؤلاء البسطاء، لا بد أن يعرفوا أبجديات الحياة الرهيفة البسيطة، لذلك اقترح عليهم زيارة طائفة (الأميش) التي تعيش في أكثر من عشرين ولاية أميركية، في تجمعات منعزلة تعمل في الزراعة والأشغال اليدوية، وتهوى الحياة البسيطة المتقشفة، حيث لا كهرباء ولا تلفاز ولا مذياع ولا حاسوب، يتنقلون على عربات الخيل، ولا نظام قضائي لديهم سوى سلطة الضمير والحق..

ربما يجد هؤلاء لديهم ما يفيدهم ويعينهم على تنمية ذائقتهم الثقافية والإنسانية، ليتعلموا احترام الآخرين، ومعنى المسالمة والحضارة المبنية على الحق والخير والجمال، بعيداً عن الرؤوس المقطوعة والدماء التي يجب أن تجري في عروقنا ألقاً ونوراً ما بعده نور.. هي بعض من تجليات أرواحنا المولهة بالحق، المعلَقة بأمل الحياة اليانعة بكل ما هو جدير بالاحتفاء، كما هو جدير بالبوح الشفيف المنَزه عن التفاهات والصغائر.

alomawi@albayan.ae