قامت «البيان» بجولة في أروقة معرض «المرئي والمسموع» الذي افتتحه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة، مساء الأربعاء الماضي، واستطلعت آراء عدد من المشاركين في هذا المعرض، فأجمعوا على دور صاحب السمو المميز في التأسيس والمتابعة والنظرة إلى المستقبل، وأشادوا بالاهتمام المباشر والحثيث الذي يوليه سموه بهذا الحدث..

وإن اتفق اغلبهم على ضرورة الحفاظ على أصول وقواعد الخط العربي، فإنهم اختلفوا في إمكانيات تطوير هذا الفن، وإضافة الجديد إليه، وغلبة خطوط دون أخرى . وأوضح منسق المعرض تاج السر حسن - دبلوم كلية الفنون الجميلة والتطبيقية، الخرطوم 1977 - بداية، ان معظم المشاركين أصحاب تيار تقليدي، يحافظون على قواعد الخط، أو على موسقته، والتنافس يكون في انتاج أعمال بصرية يكون تحكيمها قياساً على القواعد الصارمة للخط العربي، فالقواعد يمكن تحديدها بدقة ووضوح ضمن التيار الكلاسيكي.

وحول الجديد في المعرض وإمكانيات الإضافة، قال تاج السر : هناك بعض المشاركات الخزفية، والمشاركات الحروفية التي تعيد الخط إلى أصله التشكيلي، وإن غلب عليها تجربة الفنان وتفاعله مع الكتلة والشكل والنصوص المختارة .. وقدرته التي تختار شكل الحرف المناسب لهذا النسيج أو ذاك كما هي النوتة الموسيقية.. فإن قواعد الخط تبقى عصية على الاختراق، ويظل التيار التقليدي مطلوباً، ولكن هذا لا يعني على الإطلاق عدم انبثاق تيارات جديدة، لكن الخطاط المجود الخارج من المدرسة الأكاديمية هو الأقدر على الإضافة للخط العربي.

ما الجديد ؟

الخطاط محمد مختار جعفر من أوائل الخطاطين في الإمارات، بعد تخرجه من السودان، بدأ في التعريف بهذا الفن وتدريسه عام 1974، وهاهو الآن يشارك في المعرض مع طلبته، ويؤكد أن الخطاطين يحاولون أن يكونوا متفردين في أعمالهم، بما يقدمونه من رسائل تحمل نصوصاً ومقولات وحكما وأشعارا.. ويرى أن هذا المعرض تميز عن غيره بمشاركات إماراتية، وبتنوع وكثرة وتعدد أشكال اللوحات في النص والتكوين والجماليات، وإن كان عدد المشاركين قليلا فالعبرة بالنوع وليس بالكم.

من جانبه يرى الخطاط المغربي حكيم الغزالي - بكالوريوس فنون تشكيلية، الدار البيضاء - والحائز على الجائزة الأولى في بينالي الشارقة، والجائزة الأولى في تصميم الحرف الطباعي التابعة لمؤسسة «لينو تايب» في ألمانيا.. يعتبر مشاركته وقفة على رؤية الحرف ودوره في اللوحة التصويرية، وتجربة لإقامة حوار مع هذا الكائن «الحرف» كمفردة داخل العمل التشكيلي..

ويرى أنه لا جديد في هذه الدورة، الجو العام تسوده المدرسة التركية بخط الثلث والديواني الجلي وبأشكال متكررة .. وأعمال السيراميك أو الخزف لا جديد فيها أيضاً على المدرسة العراقية المعروفة... لا يوجد في المعرض ما يثير فضول المشاهد أو يضيف إلى ذاكرته البصرية سوى بعض الاجتهادات الحروفية المطورة للشكل واللوحة والمحافظة على جماليات الحرف.

محمد النوري - بكالوريوس فنون جميلة، جامعة بغداد - يشارك للمرة السابعة في هذا المعرض، يقول إن صارمة قواعد الخط العربي لا تتعارض مع تطويره، هناك تطوير في التصميم وفي شكل اللوحة وعناصرها وفضاءاتها... والحروفية المقصود بها استخدام الشكل الكتابي للحرف وليس القاعدي..

لكن للأسف هناك خلطا، وقد يطلق على من يكتب قواعد الخط بأسلوب حديث انه حروفي.. من يستخدم الخط بقواعده في اللوحة الحديثة ليس حروفياً، إنه خطاط ينقل عمله المتقن إلى فضاء اللوحة التشكيلية وألوانها.. وفي الوقت نفسه هناك من يشوه الحرف العربي بتجارب حديثة تتجاوز الشكل القاعدي للحرف ..

الفنان الإماراتي خالد الجلاف، أحد مؤسسي مجلة حروف عربية وعضو في هيئة تحريرها،وبدأ فن الخط عام 1977 يقول إن قواعد الخط ليست صارمة بل محددة، وهناك امكانية للتصرف من قبل الفنان وإضافة الجديد، والكثير من الخطوط تم تطويرها من خطوط أخرى كالرقعة والديواني قديماً، وحديثاً الغزلاني المصري ..

ويؤكد انه علينا المحافظة على الأصول والتمكن منها أولا ومن ثم ننطلق للتطوير.. فالعيون لم تتشبع بعد من جماليات هذا الفن، والجيل الحالي لا يعرف عن فن الخط ولا عن تاريخه .. الخطاط العراقي منذر الدليمي، تلميذ الأستاذ الكبير عباس البغدادي، يرى أن الفن ليس فيه نقطة وصول، والخط العربي فيه قابلية للتطوير، ويستشهد لتبيان ذلك بقول بيكاسو : كلما حاولت أن أصل إلى نقطة في الفن التشكيلي أجد أن الخط العربي سبقني إليها منذ عدة قرون، ويؤكد الدليمي أن الخط العربي فيه ثراء كبير، ونستطيع التصرف به مع المحافظة على قواعده ..

سيد الخطوط

يرى الخطاط محمد جعفر أن هناك خطوطا أخذت منحى آخر، أي بمعنى أن الخط الديواني مثلاً بما فيه من ليونة صار يدخل في تطويرات جديدة، فلا هو حروفي ولا هو خط تقليدي مدروس، وما يميزه هي قدرة الفنان على مطاوعته مع المحافظة على قواعده، وهذه ليست من الحروفية في شيء، بل أصبح فناً قائما بذاته، وسيكون له وضعه الخاص في فترة زمنية قريبة ..

أما خط الثلث فهو سيد الخطوط، والتجريب فيه يتفاداه الخطاطون خوفاً من المساس بقواعده الذهبية، وبعيدأ عن التطوير والتجويد، لأننا كلنا مقلدون.. نخشى من الانزلاقات في التعامل مع الفن التشكيلي، فالفن التشكيلي لا حدود له، لكن للخط تاريخا وأساسيات ولغة جمعت تراث الأمة وعقيدتها وكتابها.

حكيم الغزالي يقول: خط الثلث لا يمكن أبداً تطويره أو الإضافة عليه، بينما الكوفي مثلا، الخط الهندسي المعماري قابل للتطوير، والسبب هو أنه إضافة لخصائص الخط الكوفي وامكانية البصرية المفتوحة نحو اللون والأفق والمساحة.. فإن المدرسة التركية وضعت قواعد خاصة بالثلث،

أضافوها إلى قواعد الوزير ابن مقلة وطوروها إلى أن وصلت إلى قواعد صارمة خاصة بهم وبمعاييرهم والخروج عنها يعني المحاربة، ودونها يتعاملون بطريقة سلفية مع الجديد .. وفي المقابل لم يكن هناك اعتراف بالخط المغربي ولا بالخط الكوفي سابقاً، رغم إنه خط القرآن الكريم.

من جانبه يثني تاج السر على ما قاله الغزالي حول الخط الكوفي، لكنه يرى أن خط الثلث في تفسير بعض الباحثين هو أصل الخطوط، وبالتالي تطوره عبر عدة قرون وصل إلى قاعدة ذهبية محكمة، والخلل البسيط يصبح نشاذاً.ويؤكد أن الخط من الفنون المتجذرة في التاريخ والمستمرة في الحاضر والمستقبل، باعتبار اعتماده كفن على الأبجدية العربية التي لها صيرورة وديمومة،

وحملها لتراث امتد على مساحات شاسعة ولقرون عدة، وتفاعلات هذه اللغة وما تم الإضافة عليها من المشرق الى المغرب الى الدول الإسلامية.. لا بد وأن يطور هذه اللغة، والناظر بعجالة لا يرى هذا التطور هنا وهناك، ولكن في واقع الأمر خط الثلث ذاته، يختلف بين سوريا ومصر والعراق وسمرقند.

مشاركة إماراتية مميزة

بعد غياب طويل عاد الخطاط الإماراتي خالد الجلاف ليشارك بقوة في هذه الدورة، من خلال لوحات بالخط الكوفي يجدد فيها بتعامله مع اللون والكتل والتركيبات الجديدة والنصوص التي لم تستخدم بعد، يرافق ذلك زخارف بأساليب حديثة.ماجدة محمد لها عدة مشاركات في دورات سابقة، تشارك في هذه الدورة من خلال عملين، الأول بخط النستعليق والثاني بالكوفي القديم على شكل قبب إسلامية.. درست ماجدة الخط لمدة اربع سنوات في مركز الشارقة لفن الخط العربي، منتسبة حالياً لبيت الخطاطين، وتكمل دراستها في استنبول بتركيا.

فاطمة عبد الرحيم خريجة كلية الدراسات الإسلامية والعربية، تعلمت الخط بمركز الخط في الشارقة، تشارك للمرة الثانية، تركز على الخط الكوفي ودمجه بمفردات من التراث كالأبواب القديمة والبراجيل، وكونها - كما تقول - انتسبت لجمعية الحفاظ على التراث المعماري، استوحت أعمالها من بيئتها الإماراتية ...

عبد العزيز الفضلي خطاط وباحث اجتماعي وفي التراث الإسلامي، يشارك لأول مرة في المعرض عبر أعمال تدريبية لخطاطين أتراك.. وفن الخط لديه كهواية ويتعلم على أيدي أساتذة خاصين، المشاركة الأولى بالنسبة له حسسته بواقع الأمر وقربته من الراعيين والمهتمين والمشاركين، وشجعته على محاولة التجويد والتجديد.

محمود أبو حامد