إن المتغيرات الاقتصادية المتسارعة، مزقت المجتمعات، وواكب هذا التمزق عجلة استهلاكية تدور، وتحول في دورانها كل ما يخصها إلى أرقام تدور في فلكها، تهدد العلاقات الاجتماعية السائدة وتدمر استقرار العائلات عموماً، والوافدة خصوصاً، وتجسد ثقافات جديدة يقوم أساسها على الجشع والربح والخسارة.
وتختال في فلك الأعراف والقوانين، وتستغل الثغرات المظلمة هنا وهناك، فينتج عنها شكل مأساوي للتشرد والظلم، لا يظهر بوضوح في الثقافة السائدة تبعاً لحجم بشاعته في كثير من الأحيان، ويخفى عن أصحاب القرار لعدم الدراية به في أحيان كثيرة.. فتتمظهر علاقات مغايرة مع الآخر، وُتستبطن علاقات أخرى، قد يصل بعضها إلى شكل جديد من الاسترقاق، لا تدركه إلا سلطة حكيمة قائمة على تفاعل مؤسسات المجتمع المدني مع المؤسسات الرسمية ووسائل الإعلام..
وفي هذا القبيل، خاضت جريدة «البيان» مؤخراً تجربة هادئة لم تسلط عليها الضوء الجهات المعنية، ومن الحكمة أن نترك الأسباب مشرعة الأبواب، لكن من المفيد جداً أن تعمم تفاصيل هذه التجربة وبالأسماء، ليس من قبيل التبجيل، بل من قبيل التوضيح..
علمت الزميلة فضيلة المعيني، وبالتنسيق مع الزميل أسامة أحمد أن ثمة مشكلة تتعلق بالمأجرين والمستأجرين في إمارة عجمان، ولدرايتها من خلال خبرتها الصحافية، ابتعدت عن الأسماء والتفاصيل، وأشارت في مقالتها اليومية ( كل صباح) إلى المشكلة من بعيد، قائلة:
(عبارة واحدة لا ثاني لها يسمعها سكان البناية معدودة الطوابق بمنطقة النخيل في عجمان وهي «إذا ما عجبكم اخلوا» إشارة إلى الزيادة الثالثة التي يحاول المالك الجديد فرضها على المستأجرين .. ) .
والتي وصلت من عشرة آلاف إلى ثلاثين ألفاً خلال سنتين فقط.. وأوضحت المعيني ماذا يعني أن تشرد ثماني عائلات مستقرة في بناية منذ عشر سنوات على الأقل، بدءا من العادة والجيران والعنوان.. وصولاً إلى باص المدرسة.. ودعت الجهات المعنية في إمارة عجمان إلى وضع إجراءات ولوائح تحدد القيمة الإيجارية للشقق في وقت يشهد فيه السوق العقاري في عجمان انتعاشاً وحركة نشطة..
ولم يتوقف الأمر على الزميلة فضيلة، فقد تابع الزميل أسامة أحمد القضية بكل اهتمام، وسلط الضوء على جوانب مهمة من هذه الاشكالية عبر تحقيقاته المتتالية، فما كان من سلطة عجمان إلا أن قامت بدراسة الموضوع بتأن، وتشكيلها كسلطة أولى، مع السلطة الرابعة، سلطة حكيمة همها الجوانب الإنسانية في الإمارة.
وأصدر صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي عضو المجلس الأعلى حاكم عجمان المرسوم الأميري رقم (11) لسنة 2006م بشأن إعادة تنظيم إيجار العقارات في الإمارة.
حيث قرر القانون عدم إجازة إجراء أي زيادة في أي عقد إيجار بدءاً من سريانه لأول مرة في الفترة من أول يناير 2006 حتى تاريخ إصدار هذا المرسوم، أو تمت زيادة مبلغ الإيجار فيه خلال الفترة نفسها إلا بعد انقضاء ثلاث سنوات كاملة من تاريخ إبرام عقد الإيجار المعني أو من تاريخ آخر زيادة في مبلغ الإيجار «ونص المرسوم التفصيلي منشور في كل الصحف....».
وما نتمناه على أصحاب السلطتين الأولى والرابعة لتكتمل حكمتهم، تحديد قوانين تؤطر عملية التشريد القسري التي قد تحدث في حالة طلب المالك من سكان بناية ما إخلاءها بعد وجودهم بها لسنين عدة دون أي مبرر منطقي.. ولكم جزيل الشكر.