حملوا خاماتهم وريشاتهم وسيبات الرسم وتوجهوا إلى الضاحية بيروت الجنوبية، التي شوّهت آلاف الأطنان من القنابل والصواريخ الإسرائيلية، معالمها، وحولت أحياءً بكاملها إلى ركام.
هم مجموعة من الفنانين اللبنانيين، الذين انضم إليهم فنانون من جنسيات أخرى ممن أغضبهم ما حل بلبنان، فشعروا برغبة عارمة بالتعبير عن هذا الغضب، من خلال أقوى ما يميّزهم وهو منهم..
لقد أرادوا أن يقولوا لأهل الضاحية «نحن معكم»، وأن تكون هذه الخطوة رسالة تعرض للعالم، بربرية الدولة العبرية، بمضمون حضاري، لا أفضل من الفن في التعبير عنه.
زرناهم في محطتهم الثانية في الضاحية، بمحلة سوق معوّض التجارية، بعدما تواجدوا، بمعرضهم الحي لأيام في منطقة «المربع الأمني»، معقل حزب الله، وأكثر أحياء هذه البقعة من بيروت تضرراً من القصف الإسرائيلي.
...كانوا منكبين على خاماتهم، بينما يمر بهم، بين وقت وآخر، أهالي الضاحية، فيرمقونهم بنظرات إعجابٍ، يتسلل منها العرفان، فهم يعلمون أن هؤلاء جاؤوا ليتضامنوا معهم، لما حل بهم.
منظم الفعالية الفنان، سعيد شيبان، الذي قدم نفسه على أنه رئيس اللقاء التشكيلي العالمي، قال ل«البيان» إن هذا التحرك جاء في إطار نشاطات اللقاء من أجل السلام، والذي قدم في إطارها أطول لوحة تشكيلية في العالم.
وأوضح أن الدمار الذي لحق بلبنان وبالضاحية الجنوبية لعاصمته حرّك فينا مشاعر كثيرة، فأردنا أن نقوم بخطوة من أجل ذلك، فتوصلنا، بوصفنا فنانين تشكيليين، إلى مبادرة التوجه للعمل على الأرض، بين الدمار، لكي نرسم أعمالاً من وحي الواقع، تكون تعبيرية، كل حسب أسلوبه، تتناول الحرب والدمار والطفولة والأمومة، والغضب الذي يشعر به الجميع، ولكن بطريقة تعبِّر عن عنوان النشاط (ميلاد من تحت الركام).
ومن المقرر أن ينتقل المعرض من سوق معوّض، إلى مناطق أخرى في الضاحية «لكي نقول لأهاليها:نحن معكم وإلى جانبكم ونشعر معكم. وهكذا يرى الأعمال التي نرسمها أكبر عدد من الناس، ليلمسوا أن الفنان يمكن أن يقاوم، إنما على طريقته» ، يقول شيبان مضيفاً وبعد الانتهاء من التنقل في الضاحية، سوف يقام المعرض في وسط بيروت التجاري، حيث ستبقى الأعمال هناك على مدى نحو 10 أيام، على أن ننتقل إلى قطر، ثم إلى إمارة دبي فالكويت ومن بعدها البحرين، من دون أن يستبعد إضافة دول أخرى، مشيراً إلى مشاركة نحو 100 فنان في هذه الفعالية.
الفنان علي زين الدين وصف النشاط بأنه فردي بادر إليه مجموعة من الفنانين الذين قرروا أن يتواجدوا مع لوحاتهم، في كل نهاية أسبوع، في مكان ما من الضاحية، على أن ينجز أحدهم في كل أسبوع لوحة أو اثنتين، يعبر من خلالهما، على طريقته، عمّا حدث. وقال زين الدين، وهو، إضافة إلى كونه فنانا تشكيليا من الجنوب ومهندس ديكور، إن غالبية المشاركين هم من الجامعة اللبنانية، وعدد قليل من الهواة، وهناك من جاؤوا من سوريا ومن مصر.
ورسم زين الدين لوحتين خلال هذه الفعالية.الأولى تنطلق من شعار حزب الله الذي يقول«لبنان مقبرة للغزاة»، والثانية، كان يرسم على خامتها نجمة داوود «الذي اتخذه الإسرائيليون، زوراً، شعاراً لدولتهم العنصرية، أرسمه في هذه اللوحة مشكّلاً من ثلاثة أفاعٍ تمثل المحور الإسرائيلي والأميركي والبريطاني، الذي يطالنا منهم بالأذى بشكل مباشر، ورسمت طفلاً يخرج من بين هذه الأفاعي، وهو على شكل ملاك مصاب، ليجسد العدوان على الطفولة في لبنان».
إيفا هاشم، هاوية من بلدة ميفدون الجنوبية، أحبت أن تشارك في هذه المبادرة لكي تساهم مع الفنانين الآخرين في رفع الإحساس بالإحباط الذي أصاب الناس في الضاحية وفي لبنان ككل، بسبب ما خلفه العدوان الإسرائيلي، وحتى نكشف للعالم حقيقة القدرة لدى الشعب اللبناني على الاستمرار.
كانت إيفا ترسم لوحة هي عبارة عن «كولاج» يمثل الضحايا من النساء والأطفال الذين سقطوا في المجازر الإسرائيلية في كل لبنان، بدءا بقانا مرورا بالغازية، وكلاهما في الجنوب ومروراً بالقاع شرق لبنان.
حسن زين الدين الذي كان يرسم إلى جانب إيفا، ركز في لوحته على بيت من الشعر يقول «إن عشت، فعش حراً، وإن مت، فمت كالأشجار واقفاً».
ومن بين المشاركين الفنانة الروسية غالينا عيدي، المتزوجة من لبناني، وجاءت مشاركتها رغبة منها في تجسيد الدمار الذي لحق بالضاحية، والذي طال مرسمها في محلة صفير.
كانت غالينا، وهي فنانة متمرسة أقامت معرضاً فردياً، وشاركت في آخر جماعي في لبنان، ترسم لوحتها الثالثة منذ بداية الحدث، بينما جلس خلفها ولداها. (وكلاهما دون العاشرة من العمر) وتجسد فيه بداية حياتها المختلفة بعد الدمار، .
أما اللوحة الثانية ففيها جسر مدمر، انبجست من تحته الزهور، وحلقت فوقه فراشة، قالت إنها ترمز إلى المقاومة التي يمضي رجالها إلى حتفهم وهم يعلمون ذلك ليضحوا ذوداً عن الوطن، فيجمع العمل، عبر تلك العناصر، ثلاثية الدمار والموت والحياة.
أما الفنان محمد مؤذن، فوقف أمام لوحة تحتفي بصمود وتماهي رجال حزب الله وأسلحتهم وأمينهم العام السيد حسن نصرالله، مع الأرض ومع تضاريسها، ليؤكد أنه لا يمكن انتزاعهم منها، وأن هذه الأرض هي التي حمت المقاومة وكانت الدرع الأول في الدفاع عن لبنان.
وقال مؤذن أن السيد نصرالله، الذي وصفه بأنه «بطل الانتصار وزعيم المقاومة»، كان هدفه من مجابهة العدوان الإسرائيلي، المحافظة على الأرض وتحريرها.
أما نسرين حاطوم، وهي زميلة من الفضائية «العربية» في بيروت فضلت تقديم نفسها كهاوية، وشاركت في الحدث، كما غطته اعلامياً.
نسرين ركزت في لوحتها على الأمومة والطفولة، فرسمت أماً شهيدة تنظر إلى طفلها الحي من علٍ، وعيناها تفيضان بالأسى لأن لا قدرة لها على احتضانه أو مواساته، وهو المعذب برحيلها.
وأثنت نسرين على الخطوة لأنها جعلت الفنانين يخرجون من محترفاتهم لكي يرسموا أعمالهم بين الناس والأبنية المدمرة وحركة المرور وأبواق السيارات، مشيرة إلى أن ذلك لم يحل دون أن تقدم هي وزملاؤها أفضل ما عندهم، مرجحة أن يكون سبب ذلك الحالة النفسية التي يفرضها العمل فوق الأنقاض.
من جانبها، وضعت منى صايغ النشاط الذي تقوم به مع زملائها في إطار استنكار ورفض الهمجية الإسرائيلية، ولذلك حاولت أن تكون لوحتها قاسية وغير لطيفة، لتعكس دموية العدو، فيكره الناس إجرامه، في حين حاولت صديقتها لور كيروز، المسيحية من بلدة بشرى، اظهار قدرة لبنان على النهوض كلما تعرّض للدمار، على الرغم من تركيزها الرمزي على مأساوية اللون الأسود.وهكذا بعد المقاومة بالسلاح والرجال وأشلاء الأطفال، جاء هؤلاء الفنانون، ليقدموا مقاومة من نوع آخر.مقاومة باللون.
بيروت ـ «البيان»: