(1)
فلاة عتمة هباء من الرمل تناثر في خواء من البيد
عتمة فلاة طير من الأشجان أفجع تلا من الرمل
رمل من العتمة، تل أتاه الليل في ريح من الهم
رقاد بلا نعاس. نعاس بلا سنة. وسن على وسن،
سهر على أرق، أرق على سهو من الرمل
تصوت ابنة الجبل، تصوت ابنة الجبل.
أرياح سموم، خماسين، غبار تيه وأصداء خراب..
كانت الحراب أزمان الخراب تهابها، فوق الفلاة،
فلاة من التيه: أنواء وأنواء وأنواء
ولا تبر حياة
زمن من الأصباغ والأحجار والأنواء
زمن من الأشجار لا ثمر ولا غصن لبان
زمن من الضوضاء
زمن ضبع في ظلام ودجنة،
زمن للئام.
يهب من نوم، قام من موت رقاد طويل..
شال العويل،
ماد بالبيد، وطاف حادي العيس..
وأنشد للسراة: طبل لعز، طبل لعز، طبل لعزه
(2)
«وازا وازا»
من سن النار إلى اربجي والسوكي والقضارف السم سم
وازا سمسم
من فازوغلي إلى ولد مدني..
وازا
مفازه..
من لحون الجدي، لون الفهد وعين الغزال..
من ملاحن فيها الظبي وفيها مهر التلال..
من صبابات تفرعت الجبال والوهاد والتلال والحصون..
من مفازه..
من بلاد الزنج، من أرض لفور، من زقاوه..
من التاكا ودرديب والسواكن..
طبلي وربابه..
مفازه،
وازا ونوبه وكرومه،
«والحالم سبانا»:
وطني مهوى للحني
وطني روحي وقيثارة فني
وأهل سراي بليل فيه بدر فيه نجم
فيه طبل ولحن ولحد
ها نحن وابواب الخراب:
(3)
أزمان الفرقة حرقة ونار وفصام وخصام وأرياح من الأرض..
أزمان ليست لوطن، وليس فيها غير سخام حياة..
أزمان تسوق القبيلة إلى حتف، تسوق القوم إلى رقدة طويلة،
تسوق العبيد والعبيد إلى مهاوي السادة والأسياد يقعون في أسن.
كيف لزمان يفقد ميقاته أن يخبئ أوقات الصفي الخلي والصاحب
المعتزل؟! كيف لي أن أبعده ضغينة بعداً وأن يتأملني ضغينة بعداً..
كيف نلتقي الأغراب أهلاً، جمالاً وقبحاً بغير مواقيت لي وله ـ بغير
أوقات لي وله.. بغير فسحة الأمل، فسحة اليأس، فرصة الموت والحياة؟!
أيها الزنجي النوبي العربي الأسود الأسمر الحبشي البجاوي ـ كيف
مرآتك مجللة بالتصاوير، وانتزاع الصورة سر، كيف مراياك تتكسر في
إحن وصلات رحم؟! دم النار ودم الوسن، دم الحياة ودم الوهن، دم حار. دم ثمل. دم
لي، دم ثمل. دم لي. دم لك. دمنا دام لغيرنا وعاف رقادنا.
دم فونجي للجهات كافة. دم الوطن.
قل للغابة ماء النهر إلى الفلاة، وريح البيد إلى الغاب، ملاحن للهوى والصبابة
قل للصحراء طريق حداتها مجد ابنوس وعاج، وقال للباباي:
حراسها سنار.. زنج بدو عرب فور نوبة شلك نوير وبجا هدندوة
شكرية زقاوة فرتيت زاندي ودينكا ونوير وبقارة حمر
يأتون من فنجا وأكسوم وسوباط وزالنجي انقسنا ودرديب وعيذاب وبربر
والخندق
وحلفا وتوشكي وكرن ودنقلا واربجي وكسلا ونقعة ونبتة وكوش وديم زبير وغزالة جاوزت
آتون من جهات لا تحصها لغة ولا تطالبها نقوش شمس
يلبسون الردى ويطلعون بالحياة في بقعة المهدي ذات كرري ذات عبد لطيف ذات
تيجاني ذات (56) وذات قرشي وجامعة للمجد حافظة ينهضون من سبات طال ليله.
فكيف للرجراج الدائم التكيف «الحرباء» ان يداهنه الجميع يلفون لفه؟؟
وكيف لهم أن يلجوا لغوه دائماً في حضرة وابتهال؟!
كيف للمسخرة أن تسود وأن يفتعل الممثلون ما لا طاقية اخفاء له
فيختفي الجمال ليبرز القبيح مختالاً ليؤكد سيادة النقيق والآسن؟!
لهم أزمتهم. لهم خصالهم، لهم نشازهم ولهم أهل هرجهم ولفهم. لهم أمتهم التي يفيض بها الزيف والأوساخ في جلاليب حرير، لهم وقتهم.. ولنا زلزلة.
(4)
حديقة، ورد، في الرؤى، حديقة، أيقونة، زرقه
والروح ورقاء
في عد السنين، في مهمه ـ ضاع المضى وطن المنى
آه.. رواق حط في نهر جرى، أدمى، تفرعه هوى، فشكا، بكى جاءه نورٌ
فاض رؤى وراءً ثم ارتدى ليل فلاة هما..
في سنة التواريخ في سفر الأنهار والغاب والصحراء
كيف نجلوه المضى معنى، عبارة تسع القصيد، تلم أشجاني، هما..
ضوء صباح لكوش
ذاك طيرٌ نط نقوشي، ذاك رباب نقر روحي، ذاك عودي ووعودي
وتصاوير نفوسي.. أرض كوشِ أرض كوش.
حديقةٌ وردٌ ثم بيدٌ دونها بيد
وقتٌ دونه تبر التعاويذ
حافرٌ دونه مأتاة تبديد:
نهرٌ في العراء
وطن في الهاجرة
وأناس في لباس التعب
في هوان الجدب
في خواء الحقب
وحدهم في اشتهاء النفير
ووقت غناء النهر
وزلزلة الجبل.
وحدهم في سراب الهواء
نسمهُ مَنْ هوى
نسمهٌ من هوى..
(5)
مَنْ يخلع عنه الجبة ذاك الوطن الواقف في السهد دهورا
عاف الليل وفات الوقت وهام تواريخ عدد؟!
(6)
ذات ليل أخذت من النهر مرساته جلبتها للحبيبة في شرفة البدر: «يا جميلة، لك المرسى ليرسو الفؤاد تتم الرحلة. يهدي البدر الحكايا والثمر. وجميلتي أبت. راح المرسى إلى سفح الجبل يصوت: ضاع النهر!..
كيف لمدينتي التي اخبر دروبها، وألملم نحيبها أن تفقد الوطن لعبة نهيق ونقيق
وأن تتلف حديقة اللعب في معاظلة؟!
لا تنم يا أيها المتحف المبتور ساعداً واليد، المفقوء العين، اللامع بالدهر الغارق في ساعة الوقت تهدر ثعابين أسود وأسود أحن.
لا تنم يا أيها البوم الليل
يا جميلتي، أردك للمرسى فلعل بقعتي لا تتعثر في حلمها فقد تفلت في الفلاة فتلحق النهر في برية أفول أو تهرع إلى الجبل فتصوت ابنة الجبل: عزة الخليل عافها النهر وطيره أفل.. لا تنم يا أيها الوطن الألم السلسبيل القادم النبيل.
فكل حياة بعدها وطن
...
...
له عمره من الشدو، ولي أمل أنسيته في الليل،
له أهل من النخل إلى سرة افريقيا، من الغاب إلى العتمور ولي مدن من الاسمنت والغربة.
يمشي كما المطر..
ولي ساق من الوهن
أيمكن للطير الذي غازل الشرفة
ان يحمل للوطن البعيد خفقة القلب
أيمكن؟!
(7)
يطلع من غابة إلى برية محملا بالعاج والأبنوس والباباي
يطلع من غابة منشرحاً يغني
فإذا ما قارب بيت الشمال وأنسى غربة اللفظ وحن
لأغاريد طقوس ودار
جاءه صوتي (تعال)، انت لسنار وسنار الديار.
في (البقعة) زائغ العين يا أنت من تقاتل؟
انني الظل ولست المحارب..
جلبتني الأحن البغضاء والزمن المخاتل..
لست قاتل أهله لست المقاتل انني ذاك القتيل
وأنا مثله ألف قتيل وقتيل
زائغ العينين مثلي وكمثله سامق الطول نحيل
وبلادي ضيعت في مهمه ليل سادر في غي ضليل مخاتل.
طابور من الرهق
صف طويل من الشلك والزاندي والنوير
طابور من الأسف
صف طويل من الهدندوا والبجا والبني عامر وأهل السواكن
طابور من الودار والترحال والمدن الفقيرة
صف طويل من البقارة والمساليت والكبابيش والفور
انس كالسيل
باعة متجولون
أهل متجولون
وطن في الرمضاء إلى أين..
صوتي تعال
نطفر الحدود ونحمل الوطن تميمة وننقش الأهل في خاطر المقلة
ونلمح كيف الغابة تشرد في النهر وكيف النهر يركض في الهاجرة
وكيف البطانة تستحث الشاعر النبيل وكيف السلسبيل
في حضنه الجيل استراح والأطفال في طميه سكنوا عزة
النخيل ـ وطني
من إحن إلى إحن، ومن موت إلى موت، ومن أمل إلى أمل، ويغفو داعياً
ويفيق إلى حياة
الله للوطن في صيفه العاصف
الله للنيل في يومه الكالح
الله للأهل الجحفل الغاضب
في ساحة اللهب
الآن لا آن له
له غدٌ
له غدُ
يجري في هاجرة رمض
وتهرع نحوه آه وآه.
