حتى الآن لم يلتفت احد إلى قراءة التجربة (القصيرة) من عمر الحداثة الشعرية التي أنتجها الشعراء في الإمارات منذ أربعة عقود وربما أكثر، وحتى الآن لا يوجد كتاب واحد يقرأ في هذه التجربة نقديا ويقيمها بعيدا عن الأهواء والانطباعات العاطفية التي اما أن تكون منحازة بالكامل مع التجربة او انها في الضد.
من الغريب والملفت حقا ان تجربة الحداثة في الشعر الإماراتي التي أوجدت تقاطعا ملفتا مع التجربة العربية لم ترصد في كتاب نقدي واحد، ومع انعطافنا على قوس الألفية الثالثة أصبحت هذه التجربة بلا منبر يتبناها ويقدم صوتها.
ولا توجد مؤسسة ثقافية تقبل باحتواء هذا الصوت وصونه وتحفيزه للتألق وطرح المزيد من الاجتراحات والألق الشعري الذي افرز أسماء ونصوصا مميزة نالت الاحترام عربيا ولكنها ضلت مهمشة و(متلاشية) في الداخل من دون ان يبادر احد إلى تحليل هذه الظاهرة الغريبة بحق والتي لا يوجد لها مثيل خارج الإمارات.
في البحرين على سبيل المثال، تم احتضان التجربة الشعرية الجديدة، بل يمكن القول ان رموز هذه التجربة هم من يديرون دفة الحراك الثقافي في هذا البلد الشقيق، والأسماء التي برزت ظلت إلى اليوم تنتج وتتفاعل مع الثقافة في كافة وجوهها، بينما نحن في الإمارات مصابون بحالة (تقاعد) ملفتة لأبرز الشعراء والكتاب بمجرد وصولهم إلى سن (الأربعين) .
وهو سن الحكمة أكثر مما هو سن الصمت.. في الشعر والقصة والرواية هناك الكثير من الأسماء التي اختمرت في نضجها.. ومع ذلك هي غائبة، ونحن نسأل أين هم الآن هنا في الداخل وليس بعيدا او في العزلة؟ وهو سؤال لا يوجه لهم بل للطيف الثقافي بمؤسساته الكثيرة التي لم تستطع ان تقدم هذه الأسماء او على الأقل ان ترصد صوتها فنيا ونقديا.
ببروز أصوات الحداثة في الغرب منذ بداية القرن العشرين ظهرت الكثير من الأقلام النقدية الموازية لها التي نظرت إلى هذه التجربة بأنها سطحية وعابرة وفارغة من المعنى، وجاء ذلك على لسان ابرز النقاد وأعظمهم شأنا في الفكر الغربي، لكن ذلك لم يمنع تلك المجتمعات من رصد التجربة ثم قراءتها وإعادة قراءتها من جديد.
واليوم هناك أحاديث ودراسات عن إعادة الاعتبار إلى كل التجربة الحديثة في الشعر والفن بعد ان وجد (النقاد الجدد) اكتشافات مذهلة وعميقة في تلك التجارب، وجاء ذلك من باب تقييم تجربة الحداثة ككل في المرحلة الانتقالية التي سميت (ما بعد الحداثة) والتي انتهت الآن.
ما نريده هو رصد كل التجارب الشعرية الجديدة في الإمارات، ثم أرشفتها، وجعلها متاحة للدرس والتفكيك والمعاينة الواعية..وهذه مهمة لم يتقدم لانجازها احد حتى الآن.