في إطار فعاليات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في دورته الثامنة عشرة أقيمت ندوة رئيسية حول الدور التأسيسي للمسرح العربي في لبنان ومصر، ودور الرحبانية في المسرح العربي أدار الندوة المسرحي المصري سعد أردش، وبدأت بتقديم أسامة العارف من لبنان طرحاً للدور التأسيسي للمسرح العربي في لبنان ومصر.

وبدأه بتناول الإطار الاجتماعي والسياسي الذي نشأ ضمنه المسرح في كلا البلدين، معرجاً على الصراع الدرزي المسيحي في لبنان، حتى نشأة الدولة اللبنانية بحدودها المعروفة عام 1920.

واستطرد بعد ذلك في شرح الدور الاقتصادي للمسيحيين الموارنة، ذاكراً التواجد الصناعي للبنان في صناعات الحرير، وهو ما أدى ـ على حد قوله ـ إلى أن يلعب جيل لبنان دوراً اقتصاديا، وتلعب بيروت دوراً تجارياً في المنطقة.

واستطرد قائلاً: ضمن هذا الجو عرف لبنان أول عمل مسرحي عن طريق التاجر مارون النقاش، وهو مسرحية البخيل المقتبسة عن موليير، لتكون أول مسرحية عربية.

وأضاف شارحا تاريخ لبنان خلال الستينيات ووضعها الاقتصادي، والذي أدي إلى أن تصبح لبنان المتنفس للإنسان العربي المقموع، مما أخل ـ على حد قوله ـ بالبعد الجمالي للأعمال المسرحية والقيم الفنية فيها.

ويعود فيبدأ مع المسرح المصري في بداياته قائلاً: أما المسرح المصري فكان الوضع فيه مختلفاً ؛ حيث البلد كبير الحجم والشعب ذو طبيعة واحدة وبلا مشكلة انتماء كلبنان الشعب المصري يتميز بالثقة بالنفس وإمكانيات التمايز والتعبير عن الذاتية المصرية...وذلك ناتج عن أن الحضارة الفرعونية ظلت باقية.

ولكنه يرى أن المسرح في مصر لم ينشأ مستنداً للحضارات الفرعونية والرومانية أو العربية والمملوكية، بل نشأ مستنداً إلى الدراما بمفهومها الإغريقي الصدامي الغربي مثله في ذلك مثل المسرح اللبناني.

رائدا المسرح

بعد ذلك تحدث د.مدحت الجيار عن المسرح اللبناني والمسرح العربي ومؤسسيه فقال : يقوم الدور التأسيسي للمسرح العربي في لبنان ومصر على مجموعة من الأسس التاريخية والفنية والأدبية وبدايات المسرح اللبناني والمصري ارتبطت باسمين مهمين وهما: مارون النقاش ويعقوب صنوع..وجمع بين هذين الرائدين معرفة لغة أجنبية إلى جانب اللغة العربية، ومعرفة التراث الشعبي، ومعرفة مكونات المتلقي العربي بعيداً عن العوائق الدينية والسياسية؟

فقد قدم مارون النقاش نصوصه الأولي محتشدة أولاً بمفهوم الفكاهة والسخرية من العيوب الإنسانية، وارتكنت على حكايات من التراث الشعبي، وكان ذلك هو تأسيس المسرح العربي والذي فتح الطريق لأول نص مسرحي حديث يراه المتلقي العربي باللغة الفصحى والعامية.

ويضيف الجيار : كان يعقوب صنوع متعدد المواهب، وكتب أكثر من 30 مسرحية، منها 12 مسرحية معروفة، واختلف عن النقاش والقباني في تناوله لموضوعات سياسية غير مقبولة اجتماعياً، وسخر من الأوضاع، وبين النفاق الاجتماعي، وكان سبب هلاكه مسرحية الدر التي اعتبرها الخديوي إسماعيل سخرية منه فنفاه إلى فرنسا وهذه المسرحية ألغت العلبة الإيطالية ومزجت بين الجمهور والممثلين، ومات يعقوب صنوع في منفاه.

ثم يقول : في القرن العشرين ظهرت في عصر ولبنان أنواع جديدة من الألوان المسرحية المنفصلة، والتحديث المستمر في شكل وأداء المسرح لم يتوقف بل نقل من الغرب مسرحيات وتطورت واتسعت مساحات التلقي خلال المسرحيات والفرق العربية المختلفة.

ثم تحدث د.سعد أردش قائلاً: إن المسرح في مصر كانت ظواهره سابقة قبل مارون النقاش والقباني، فالمسرح المصري فرعوني وفرق المحبطين في أزقة وحواري المدن والتي تعرض سخريات السلوك في الحكام.

ثم نقل الكلام إلى د.مصطفي يوسف أستاذ نقد ودراما الذي اتفق مع د.مدحت الجيار في أن المسرح ظاهرة إنسانية مع اختلاف المجتمعات وتأثرها به، وقدم قضيتين مهمتين قائلاً: سيظل السؤال مطروحاً إلى النهاية بالرغم من إجماع المسرحيين العرب حول الأسس الأوروبية للمسرح العربي ومع عدم النجاح في الدعوة لإبداع مسرح عربي نابع من التراث، فهذه القضية ستظل قائمة وملازمة للمسرح العربي ما لم يستطع توطيد أقدامه.

والقضية الثانية هي التباعد بين المسرح العربي والأوروبي نتيجة لأسباب التقاعس والتخلف رغم أن عمر المسرح العربي تجاوز 150 عاماً تحدي الأوائل كما تحدث د.مصطفي يوسف، وتناول في كلمته مجموعة الفنانين الذين أثروا في المسرح المصري واللبناني مثل بخيت حداد وجورج أنديان، ثم تحدث عن فرض تركيا قوانين صارمة مع السلطة الدينية الإسلامية على تحريم المسرح، فهاجر المثقفون العرب إلى أوروبا.

وكانت مصر خارجة عن هذه السلطة أثناء حكم محمد على فسافر إليها بعض المثقفين وأيضاً لتشجيع محمد على للبعثات وإقامة حضارة مصرية وتشجيع الفنون والصحافة، وفتح مجالاً آخر في مصر عندما تحدث عن افتتاح الأوبرا المصرية والتي عرضت أوبرا عايدة بناء على أوامر من الخديوي إسماعيل.

وأكد أردش: نحن ندين بالفضل لكل رواد المسرح، وسنحاول أن تكون هناك رؤية نقدية عن أعمالهم وتلخصت بعد ذلك أغلب المداخلات على المغالطات التاريخية وتأريخ المسرح العربي فتحدثت د.شذي سالم عن مرحلة التأسيس للمسرح أما عبد الغني داوود فكانت مداخلته عن التاريخ قبل مارون النقاش، ومشكلة تبعية المسرح العربي للغرب، فأجاب سعد أردش بأن المشكلة قائمة ما دام لا يوجد رواد جدد.

وفى المحور الثاني ومن لبنان تحدثت الفنانة نضال الأشقر: عن الفنان اللبناني الذي شارك مع المقاومة ضد الهجمة الشرسة على لبنان وقالت : أن هناك صيغة جديدة لمسرح الحكواتي برزت ويمكن تسميتها مؤقتا بمسيرة ما بعد الحكواتية والتي تجاوزت مرحلة استعادة الزمن المجيد إلى التفتيش عن أسباب تفسخ الزمن الراهن.

وتعمل على مزج ومنح الدال أكثر من دلالة في تصاعد يوصلها لنوع من الميتاواقعية يمكن اعتبار عرض «جنينة الصنايع» نموذجاً دالا عليها مؤكداً على استمرارية طرحه للأسئلة كما استعرض عطية ما تم تقديمه من عروض لبنانية خلال دورات المهرجان مثل لوسى المرآة العمودية عام 2004 و«جنينة الصنايع» عام 2003 .

وعرض «في انتظار بيكيت» عن نص بيكيت الشهير بعد إخضاعه لرؤية لبنانية تواصل الكشف عن عبث الحرب في ثنايا الواقع الممزق كما تحدث عطية عن أي بيروت قائمة في مسرح «روجيه عساف» لا يبارحها مؤكداً على أن ما يحدث اليوم بفضاء المسرح اللبناني بالوقوف فقط داخل إطار السيمولوجيا المتوقفة وأساساً عند البنية الداخلية للعمل المبدع مهملة عن عمد علاقة الإبداع بالأرض المعبر عنها ومتجاهلة عن قصد الوظيفة الموجهة لجمهور متلق داخل سياق اجتماعي معين.

وإن نجحت نجاحاً باهراً في تحليلها لبنية الإبداع التي تمنح الأدب أدبيته والمسرح مسرحه والفيلم سينمائيته غير أن هذه الأدبية والمسرحية والسينمائية لا تلغي أبداً الوعي بأن مصدر الإبداع هو صانع بنيته ووظيفة الإبداع لا يمكن إدراكها إلا من خلال هذه البنية المعقدة الصياغة، والفن واليد احتياج اجتماعي، يلبي للمبدع حاجته الإبداع والتواص مع مجتمعه ويلبي للمجتمع أيضا التواصل مع زمنه ويغير من وضعيته ويقاوم به عوامل الفناء المختبئة.

ومن ناحيته قدم أنطوان كرباج رصدا تاريخيا لحركة المسرح اللبناني وأهم المراحل التي مر بها مستعرضا بداياته ومركزاً على الحركة المسرحية الحديثة في لبنان التي انطلقت في عام 1960 مع معهد التمثيل الحديث الذي أنشأته لجنة مهرجان بعلبك الدولية بإدارة منير أبو دبس .

وهي الفترة التي تزامنت مع دخوله المسرح والتحاقه بفرقة المسرح الحديث التي قدمت أول عروضها في المغرب في مهرجان حوض البحر الأبيض المتوسط ثم الانفصال بين منير أبو دبس وأنطوان ملتقى الذي أثرى حلقة المسرح اللبناني التي لعبت دوراً مهماً في الحركة المسرحية الحديثة.

تسلسل تاريخي

أما الناقد المصري د.رفيق الصبان فاستعرض تاريخ المسرح السوري وعلاقته بالمسرح اللبناني مروراً بالمسرح العربي والوحدة بين مصر وسوريا وإنشاء وزارة للإرشاد تهتم بالمسرح ووصولاً إلى الرحبانية، والطفرة التي أحدثتها في المسرح اللبناني.

كما أشار إلى المحترف الذي أقامه روجيه عساف ونضال الأشقر في تسلسل تاريخي كما تناول ظهور اليسار اللبناني ونقد الحركة المسرحية التي أدت لخلق مسرح لبناني ونقد الحركة المسرحية التي أدت لخلق مسرح لبناني إلى أن انتهى د.رفيق إلى ظهور الورش المسرحية والارتجال المسرحي وظهور المسرح السياسي.

أما الجلسة الختامية والتي دارت حول نشأة الرحبانية وأثرها في المسرح الغنائي العربي، أحدثت جدلاً مثيراً بين المنصة والصالة، حيث تضاربت الآراء حول أهمية هذا المسرح، وأهمية سيد درويش في تأسيس النهضة الموسيقية الحديثة، ودور فيروز في نجاح المسرح الرحباني وتوقفه.

وتحدث بول شاؤول من لبنان عن بداية المسرح في لبنان، حيث لم يكن قد تبلور في نهاية الخمسينيات مسرح لبناني ذو تجارب مغايرة أو ذو تراكم، وكانت البدايات المسرحية تخلو من الكاتب وتكاد تخلو من المخرج والممثل أيضاً، وكان المجال أوسع لمسرحيات إذاعية يؤلفها أو يترجمها الأدباء والكتاب والشعراء، والأغنية اللبنانية لم يكن لها حضور جيد في تلك المرحلة.

وكان الشعر يتقدم سواء الفصيح منه أو العامي، هذه الحركة المزدوجة كانت تتجاوز وتتطور على تأسيس إرث طويل جمع شعراء كبارا كالأخطل الصغير، أمين نخلة وسعيد عقل، صلاح لبكي، إلياس أبي شبكة، وكانت هذه المرحلة تنبئ ضمن الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بنهضة ثقافية شاملة، في هذا المناخ بدأ الرحبانيان عملهما في المسرح وفي الأغنية والشعر.

ثم تحدث عبيدو باشا من لبنان عن الأخوين الرحبانيين (عاصي ومنصور) فأحدهما كان يعمل في البلدية والآخر بالأمن العام، وقدما المسرح الغنائي الذائع الصيت، فهما بربرا المسرح الغنائي دون وجود علاقة بينهما وبين البربر.

وأقاما مسرحهما ببراعة البناء الشعبي اللبناني المتأثر بالفلكلورية والتربة والبيئة اللبنانية، دون أي تأثر بأي مسرح أوروبي أو عربي، وبدأت تجارب المسرح في لبنان بترجمة النصوص والاقتباس والتعريب، وبدأت التجربة الأولي في الستينيات بثلاثة نصوص واستمر الإنتاج الغزير.

الرحبانيان

ويبدأ د.فتحي الخميسي من مصر كلامه بتأثره بفيروز التي هي علامة بارزة في ظاهرة تاريخ الرحبانية، في فترة من الفترات التي بدأت فيها الأغنية المصرية تتراجع وتمتلئ بالتكرار، في الوقت الذي وجدنا فيه أغاني فيروز متطورة ومتجددة ومعبرة عن نبض الوطن العربي، والرحبانيان لم ينتجا مسرحاً غنائياً على الإطلاق، وأتحدث من زاوية الموسيقي فهما قد قدما أفضل أغان، وليس معني هذا بالضرورة أن يقال إنهما أسسا المسرح الغنائي.

فهذا المسرح قد نشأ لدينا في مصر وعند العرب عامة، عندما كانت تقدم الأعمال الدرامية التي تختلط بالتمثيل وبغيره من الفنون الأخرى، وأول من بدأ هذا الخلط هو « أبو خليل القباني» الذي مزج بين الموسيقى والتمثيل لأنه كان موسيقيا كبيرا وصاحب موشحات معروفة وكان يغنيها بين فصول المسرحيات وكانت موسيقاه معبرة عن مواقف موضوعية في الأعمال الدرامية أو لم تكن مجرد حلية لها.

القاهرة ـ داليا فاروق:

(وكالة الصحافة العربية)