لطالما مثل جوهر الإنسان في الجنوب اللبناني جذور السنابل التي تشتد وتقوى في شهر تموز، لأنها تستشعر بيد الفلاح ومنجله الحاد، وتدرك موسم الحصاد، فتنحني حتى تصل خصلات قمحها إلى مستوى الأرض، فهي بعد حين قمح اسمر ، وطحين ابيض، ورغيف احمر.

حتى الهامات والسنابل في الجنوب تتشابه فهي لا تندثر، فمواسم الحرية وإرادة الطين والماء لاتدوي صرختها إلا بوجه الله. فاهل الجنوب أكثر من بسطاء وأكثر من مزارعين وأكثر من فقراء وأكثر من أحرار.

من يوم هجرتهم من عاملة بن سبأ بن قحطان مرورا بزيارة أبى ذر لهم والدنيا تنهل من تاريخهم حبا وولاء سلبه اقطاع زراعي وسياسي وديني. هم جنوبيون في الحب فعاملة بمائها وترابها تزهر علماء وأدباء ونوابغ يقتاتها الظلم والموت والحرب.

معادلة حياة يدركها أهل الجنوب ابتداء من نطفة الحياة إلى لحظة الموت، يدركونها عنفوانا وحزنا، يأسا وأملا، يدركونها قوة وضعفا، يدركونها فقرا وثراءً، يدركونها صدقا وحيلة، يدركونها عشقا وكرها، وطنا وهجرة، يدركونها موتا وحياة، يدركونها أما وطفلا، يدركونها خوفا وأمناً، يدركونها إيمانا وكفرا.

معادلة حياة.. لم يدركها في تموز 2006 م بنو صهيون بعنفهم الكارثي، ولم يدركها محبوه بعقيدتهم الجهادية، فسنابل الجنوب لا تنتهي حياتها عند حدود الإيمان فهم يستنبتون الأمل من حومة الحزن.

تموز الجنوب 2006 م لم يتدثر بغطاء الألم كان يبحث عن الحياة من آذار 1987 وحزيران 1982 م وتموز 1993 وقانا المجزرة الأولى نيسان 1996م، ومن الحرب الأهلية التي دامت وطالت حتى صارت وشماً من الدم تحت إسفلت الشوارع وعتبات الأرصفة وطاولات المقاهي ووسائد الأطفال ومناديل الأمهات وزينة الصبايا والشباب التي يتغنى بها القاصي والداني.

في تموز الجنوب 2006 م

كان الانتماء محددا فوق كل تراب الجنوب فبعد إعصار الموت والحروب الأهلية والفلسطينية الإسرائيلية واللبنانية الإسرائيلية الذي حصد الجنوب ولبنان، وبعد تحرير صار يشبه العلقم كان الجنوب في تموز 2006 برجاله ونسائه أطفاله وشيوخه يغرسون في ترابه مسك الحب عملا وأملا، عودة وشوقا. كانت عيونهم جميعا تهتف للغد القادم من حلم أطفالهم، وهم في غرة الشوق وقصيدة العشق زلزلت دنياهم معادلة الانتصار.

هاجر الزمن ونسي العالم كيف تشرق الشمس. غاب القمر فتصدعت العيون من الخوف الظلام، وفي زهوة الجميع (حزب الله بقدرته على ردع إسرائيل، ومنافسوه بنشوتهم في القضاء على حزب الله) سقطت كل المعتقدات في فم الماسون، فكانت الخمسة وثلاثون يوما كانت كافية لانتحار الله.

في تموز الجنوب 2006 م كانت الدماء تلطخ السماء في الجنوب، وكنت في حومة النار ابحث عن مخرج لأطفال عيونهم تشبه لحظة الموت فأمسكت بيدي حفنة تراب علها تهدئ من شوقي لحياة هنا فوق ارضي فامتلأت يداي بأشلاء خديجة وفاطمة وزهرة وعلي وحسن وحسين وصادق ذلك الطفل اليتيم المسربل بدموع جدته وأمه. فارتفعت صرخات الخوف تناشد الرب والرب متكئ على معادلة الانتصار والهزيمة فالحرب عقائدية والأبطال عزل درعهم الموت ثم الموت ثم الموت.

وعاش اله كان يبني لنشوة الألم

فالأرض مدافن والزرع محارق

والطين سواتر والأطفال مآتم

والورد محارق والشجر معابر

العصافير ولائم

والأمل موت ثم موت ثم موت.

في تموز الجنوب 2006 م

كانت شهقة الموت تلملم سفري وتشرع قلبي لعودة الرحيل فأعلنت كفري للصمت فعلى طريق الرعب من النبطية إلى جزين أصابت قذائفهم وصواريخ طائراتهم زمن ذاكرتي، فالضحايا عصافير وأطفال، أشجار وحقول، أهل وأصدقاء شعراء وأولياء عشاق وأحبة بسطاء وأمناء من طين لبنان الماسي العصي الكريم العزيز المارد الماكر الشارد العاتي الجميل العزيز.

خيبة الجمال طالت العاشق

بانتحار تموز الجنوب

قتلت انا الحالمة بمزامير داوود

وحنو مريم

وسورة طه

ولم ولن ادفن في تراب الجنوب

لان ذاكرتي صارت غربتي

وروحي صارت وحشتي

وجسدي صار لحدي.

في تموز الجنوب 2006 م

احترق حنين العودة إلى ذاكرتي، أراهم في رعب الدنيا يحومون، وبالركام يتدثرون، أراهم في ظلام الزمن ينشدون.

انتصرنا لان قتلانا فقراء

انتصرنا لان مجازرنا أطفال

انتصرنا لاننا نتحمل النزوح

انتصرنا لأننا لا نعوي أمام الجوع

انتصرنا لأننا دائما قتلى.. شهداء..

انتصرنا لأننا دائما ضحايا.. شهداء..

ختام بيطار.