استضافت القاهرة على مدار عشرة أيام فعاليات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي فى دورته 18 حيث قدمت 47 دولة عربية وأجنبية بحوالى61 فرقة مسرحياتها على أكثر من عشرة مسارح موجودة بقاهرة المعز، حيث أكد جان كارلو ناني رئيس لجنة التحكيم بالمهرجان أن عدد العروض المشاركة وصلت الى 24 عرضا قدمتها فرق 23 دولة شاركت في المسابقة الرسمية للمهرجان.

وقد عقدت اللجنة 4 جلسات، ناقش خلالها الأعضاء إجمالي العروض المشاركة في المسابقة، وفي الجلسة الختامية قامت اللجنة بالتصويت النهائي على كل جائزة على حدة فحصل على جائزة أفضل عرض(روميو وجولييت) فرقة موسكو «مسرح القمر» روسيا لنيل هذه الجائزة وقد رشح كل من عرض: روميو وجولييت لفرقة: موسكو - «مسرح القمر»- روسيا وعرض: حمام بغدادي فرقة: المسرح التجريبي - سوريا، أما جائزة أفضل إخراج والذي رشح لنيل هذه الجائزة: المخرج:

سورين شافرديان عن عرض: هوس الساعة 48,4 فجرا الذي قدمته: الفرقة التجريبية بالمسرح القومي - أرمينيا، والمخرج: جواد الأسدي عن عرض:حمام بغدادي الذي قدمته فرقة: المسرح التجريبي - سوريا والمخرجة: ليليا أبادييفا عن عرض: روميو وجولييت الذي قدمته فرقة: موسكو مسرح القمر - روسيا وقد فاز بهذه الجائزة المخرج: سورين شافرديان عن عرض:

هوس الساعة 48 ,4 فجرا الذي قدمته الفرقة التجريبية بالمسرح القومي - أرمينيا، بينما جائزة أفضل ممثلة والتى رشحت لنيل هذه الجائزة: الممثلة: بيان شبيب عن دورها في عرض: صفد - شاتيلا، من وإلي الذي قدمته فرقة: عشتار - فلسطين والممثلة: لوسيان كوستنيان عن دورها في العرض الذي قدمته فرقة: الفرقة التجريبية بالمسرح القومي - أرمينيا و الممثلة آزدوهي صامويل عن دورها في عرض:

نساء في الحرب الذي قدمته الفرقة القومية للتمثيل - العراق وقد حصلت على هذه الجائزة الممثلة: بيان شبيب عن دورها في عرض: صفد - شاتيلا، من وإلي الذي قدمته فرقة: عشتار - فلسطين. أما جائزة أفضل ممثل قد رشح لها الممثلان:

فايز قزق، ونضال السيجري عن دوريهما في عرض: حمام بغدادي الذي قدمته فرقة: المسرح التجريبي - سوريا والممثل: ايفجيني كورياكوفسكي عن دوره في عرض: روميو وجولييت الذي قدمته فرقة: موسكو مسرح القمر - روسيا والممثل: محمد هادي عن دوره في عرض: تغير مفاجئ الذي قدمته فرقة: دكابي - السنغال وقد حصل على هذه الجائزة مناصفة:

الممثلان: فايز قزق، ونضال السيجري عن دوريهما في عرض: حمام بغدادي الذي قدمته فرقة: المسرح التجريبي - سوريا، وعن جائزة أفضل سينوغرافيا وقد رشح لنيل هذه الجائزة كل من: العرض الياباني: البوتقة الذي قدمته فرقة: تشيتن و العرض الروسي: روميو وجولييت الذي قدمته فرقة: موسكو - مسرح القمر و العرض المصري: الخروج الى النهار الذي قدمته فرقة: البيت الفني للمسرح وقد فاز بهذه الجائزة عرض البوتقة .

والذي قدمته فرقة: تشيتن - اليابان سادسا: بينما ذهبت جائزة أفضل عمل جماعي لعرض روميو وجولييت والذي قدمته فرقة: موسكو - مسرح القمر وقد رشح لنيل هذه الجائزة كل من: العرض الروسي:

روميو وجولييت الذي قدمته فرقة: موسكو - مسرح القمر و العرض الأرميني: هوس الساعة 48 ,4 فجرًا الذي قدمته فرقة: الفرقة التجريبية بالمسرح القومي والعرض الغاني: القصة التي روتها أنانس الذي قدمته فرقة: أبيبيجروما وقد فاز بهذه الجائزة عرض: - روسيا

أجواء الحرب

والملاحظ فى فعاليات هذا المهرجان من خلال العروض المسرحية ومنذ يومه الأول نستطيع أن نلمح أن ثمة أجواء حرب تهيمن على مجتمع العرض اللبناني «النشيد» الذي كتبه البلغاري جورجي شويدا وترجمه وأخرجه.

وقام ببطولته غبريال يمين، هناك حالة ارتباك غير عادية تهيمن على أجواء العرض، فالزوج انعزالي، خائف، مذعور، يفضل قضاء لياليه داخل صندوق من الفحم، اعتاد شرب الخمور، حياته روتينية الى حد الملل، زوجته تثرثر دائما عن الأولاد والجيران.

والنشيد الوطني، بيتهما يكاد ينهدم من فرط هشاشته وتصدعه، هناك عوائق كثيرة تحيل حياتهما الى جحيم منها وأهمها انسحاقهما تحت وطأة كل أنواع السلطة السياسية التي تقهرهما، والاجتماعية التي تسبب لهما العديد من المشاكل وخاصة من الجيران، الاقتصادية بسبب ديونهما،.. وفوق كل هذا أجواء الحرب المخربة لكل شيء في الخارج.

ذلك الخراب الذي يصل في دورانه وتعسفه الى داخل منزلهما ليخرب أيضاً نفسيتهما، فيصبح بذلك الخارج والداخل خراباً، حالة من الفقر، والتعاسة، والعزلة، حالة من الخواء الروحي يرزح تحتها بطلا العرض مما يؤدي بهما في النهاية الى حالة أشبه بالموات.. يمكننا أن نلمح هنا بعض تجليات مفردات القهر داخل العرض والتي نراها في صندوق الفحم كمرادف للعزلة، الخوف، الاحتماء بشيء ما،..

وفي جدران المنزل المتصدعة، وفي تكرارية حالة السرد عبر المشاهد المتتالية... وكذا في مفردات السلطة القاهرة التي تأتي إليهما من الخارج كمندوبة الصحافة، والأمم المتحدة و... هؤلاء الذين جاءوا لكي ينفذوهما مما هما فيه.

أما العرض السنغالي «تغير مفاجئ» فهو صرخة أفريقية ضد الحرب والعنصرية، وضد كل عذابات الإنسان الإفريقي، فبرغم أن العرض سنغالي إلا أنه أخذ على عاتقه التحدث بلسان أفريقيا كلها وليس السنغال بمفردها.

وهناك اثنان من الممثلين ربما أخوان أو ابن وأبوه أو اثنان من المحاربين، هناك أيضاً عازف طبول.. والثلاثة داخل فضاء متسع بلا ديكورات.. فقط هناك كرة أرضية صغيرة تقبع وسط هذا الفضاء المتسع، وهناك حوارات طويلة يتخللها رقص إيقاعي، وأنغام موسيقية مميزة من فولكلور الموسيقي الأفريقية، والحوارات تدور حول الحرب، الهزيمة، الموت، الذاكرة الممحوة، الكرة الأرضية تشير عبر مشاهد العرض لبعض الأماكن يتميز منها أميركا .

والتي تمثل هنا داخل مجتمع العرض رمزاً كبيراً للقهر، صوت كل ممثل، حالته، هيئته بالبنطال فقط وبالصدر العاري، حركته القلقة والمشوشة.. كل ذلك رموز أخرى تدل على مدى القهر الواقع عليهما، العرض في مجمله يمثل بكائية حزينة، لحظات المرح فيها تظل مجرد مداخل للحزن، هناك أيضاً حالة موت متكرر نتيجة الفقر، الجوع، الحرب، التفرقة، التشتت.

. أما مفردات القهر في عرض «أوفر دوز» التونسي المأخوذ عن رواية «اللجنة» لصنع الله إبراهيم والذي أخرجه حسام الساحلي فتتخذ حالة أخري، فهناك لجنة مكونة من عدة أشخاص لكل من هؤلاء الأشخاص مشاكله التي تصل به الى حالة من التمزق الداخلي.

أي أن بداخل كل واحد من أعضاء اللجنة مفردات خاصة به تقهره فتجعله لكي يعيد التوازن المفقود مع العالم الخارجي قاهراً، فأحدهما شاذ جنسياً، والآخر مهتز ومشوش ومفتقد للاتزان النفسي، والثالثة عانس، والرابع معقد نفسياً،.. هذه المشاكل الداخلية جعلتهم يتماسكون ظاهرياً، وهذا أيضاً ما يدفعهم الى قهر الآخر..

والآخر هنا هو هذا الشخص «يوسف المجيد» الذي وضعته الظروف ليمثل أمام هذه اللجنة ليلقي منها كل أنواع القهر اللاإنسانية.. ربما فكرة كونهم لجنة أيضاً هي ما تجعلهم رغم تمزقاتهم الداخلية على هذا النحو المتماسك ظاهراً.. إذاً مفردات القهر هنا ناتجة بشكل أو بأخر من فقدان الاتزان الداخلي..

. إذاً اللجنة أو لنقل كل اللجان ليست بهذا التماسك الظاهري الذي تغلف نفسها به، فإذا ما نظرنا جيداً وأمعنَّا النظر خلف مساحيق الوجوه وبلادة البشرة، واصطناعية النظرة، سنجد هشاشة ما من السهل اختراقها،..

انظر جيداً ستجد كثيراً حولك من أعضاء «اللجنة» بينما العرض الهولندي «البنات» المأخوذ عن «الخادمتان» لان ينيه ومن إخراج رسول ساجهير فيدرو حول نوع جديد من القهر تمارسه السيدة على خادمتيها، نحن داخل مجتمع العرض لم نر قهراً ما يمكن التحدث عنه، قهراً واقعاً وبشكل مباشر من السيدة على خادمتيها، ولكننا من الممكن وعبر سينوغرافية العرض المسرحي البسيطة أن نرى مفردات هذا القهر النفسي للسيدة على خادمتيها.

والذي يتمثل في تحويل الفضاء المسرحي الى ما يشبه المطبخ حيث كيس البطاطس المدلي، والمناضد وأواني الطبخ، هناك أيضاً ملابس السيدة المعلقة في دولابها، تلك الملابس التي تشتهي الخادمتان لمسها وارتداء بعض منها، هناك حضور طاغ للسيدة رغم عدم وجودها الفيزيقي، حضور لها عبر أشيائها الخاصة، وعبر عبوديتها للخادمتين، وهو ما يدفع الخادمتان للتفكير في التخلص من قهر السيدة بقتلها..

وفي عرض أرمينيا «هوس الساعة 48 ,4 فجراً» نجده يصور حالة جديدة من القهر، قهر تضع فيه الشخصيات نفسها بإرادتها أو لنقل بجزء كبير من إرادتها وذلك إذا افترضنا أن هناك نوعاً من الهوس أو الجنون يحدث - كما يدعي العرض - في الساعة48,4ف جراً من كل يوم وأن البشر يكونون مهيئين للدخول في هذا الهوس رغماً عنهم..

فالعرض يفترض أن هناك ساعة في اليوم هي تلك التي تسبق ظهور الشمس أو نور الفجر صباحاً تسمي ساعة الذئب وأن كل البشر من الممكن أن يدخلوا رغما عنهم في نوع من الهذيان أو الهوس غير المحسوب.. لذا فالعرض يصور لنا ست فتيات في مكان ما وزمان ما تصيبهم هذه الساعة بنوع من الهذيان.

وهذا الهذيان هو ما يقدمه لنا العرض، هذيان ست فتيات يدخلن في أحاديث طويلة عن كل شيء، نقطة الارتكاز في أحاديثهن عن الخلاص، عن الانفلات الى منظومة حياتية مختلفة، عن طموح لتجاوز اللحظة بما تمثله من أعباء كثيرة، يغنين، يرقصن، يكون عبر حركاتهن صوراً مسرحية متعددة، يهدمنها بعد أن يكونها، ثم يعيدن تشكيل صور جديدة، وما بين الهدم والبناء يتشكل العرض..

إذاً هناك منطقة جديدة من القهر وبجزء كبير من إرادتهن دخل هؤلاء الفتيات وأخذن يستعرضن علينا عذابتهن المتنوعة داخل هذه الساعة.. لا توجد هنا مفردات قهر، فالقاهر هنا داخلي وليس خارجياً.. والعرض الإنجليزي (مؤتمر القمة) يصور نوعاً جديداً من القهر الكوميدي، فهو يصف لنا حالة إثنين من القادة السياسيين، وينوه هنا عن أن هذا المؤتمر الذي يصوره .

ويجسده العرض بشكل كوميدي هو شبيه بتلك المؤتمرات التي كانت تعقد بين (ريجان وجورباتشوف) في أواخر الثمانينات، فهناك قهر متبادل بين هذا السياسي وذاك السياسي، قهر في المناقشات، في تلقي التعليمات من الخارج والتي على أساسها يجب أن يتعامل مع من أمامه، في التخاطب مع الجماهير، في استخدام أدوات المؤتمر من كراسي، منصات التحدث، كراسي... هذا القهر المتبادل بين الزعيمين .

والذي يؤدي الى عدم الوصول لأي لغة يمكن بها التواصل لابد وأن ينعكس بدوره على شعب كل زعيم سياسي، وهذا ما لم يظهر داخل العرض، ولكن ليس من الصعب ملاحظته، إذاً المقهور الحقيقي داخل هذا العرض غير ظاهر فيزيقياً وهو الشعوب ولكن مفرداته ظاهرة أمامنا في الزعيمين السياسيين..

أما العرض الأوكراني (درس أساسي) فإنه يمارس نوعاً مختلفاً تماماً من القهر، ليس قهراً سياسياً ولا اجتماعياً ولا... إنه قهر واقع على المتفرج، فمنذ اللحظة الأولي للعرض وحتي الأخيرة لا يحدث شيء سوي بعض التمرينات على أجزاء متقطعة على ما يبدو من سياقها من باليه ما أو دعنا نقل من أي شيء..

هناك مدرب رقص/مخرج يعطي بعض التعليمات لراقص وثلاث راقصات ليؤدوا بعض الحركات التي لا تشي بأي معني، ثم يكررونها فنزداد تمزقاً وتشتتا كمتفرجين وسط صخب الموسيقي وضياع أي معني محتمل.. ليقل لي حتى لا أكون مبالغا كل من شاهد العرض أي معني وصل إليه من هذه الرقصات العشوائية.

ومن هذا المعلم/المخرج ثقيل الظل الذي يدور ملقياً تعليماته على راقصيه في ملل وبنظرات بلهاء يصوبها الى الجمهور بنوع من التعالي الفج.. هناك أيضاً قهر خارجي مواز لقهر العرض الأوكراني وهي محاولتنا للدخول الى قاعة مسرح مركز الإبداع لمشاهدته، قهر خارجي وآخر داخلي وفي النهاية لا شيء؟!

حالة فنية

أما العرض المصري (فيروز هل ذرفت عينيك دمعة ؟) لفرقة الرقص المسرحي الحديث من اخراج وليد عوني فإنه يصور عبر عالمه الفني هذا الخراب الذي خلفته الحرب، الحرب في عمومها، وحرب لبنان - اسرائيل الأخيرة، فهناك وعبر فضاء ساحة دار الأوبرا بني وليد عوني مسرحه/ منزله المتهدم.

وأقام عبر تهدمه وتمزقه عدة خشبات للمسرح بارتفاعات مختلفة، وعبر موسيقي وأغاني فيروز ورقصات الممثلين وبعض الجمل الحوارية القليلة بني عوني عرضه ليصور بذلك حالة فنية / تشكيلية / موسيقية / راقصة تعبر وبشكل متواز عن قهر الحرب ودماراتها الخارجية للبني الأساسية والداخلية للإنسان العربي وخاصة اللبناني.

أنواع متعددة من القهر، لكن لا يوجد داخل هذه العروض مقاومة لهذا القهر، يوجد فقط حديث القهر لكن لا يوجد حديث أو فعل مواز، مواجه لرد القهر، ربما تسعي هذه العروض في عرضها للقهر لتكوين تيار جمعي يتوالد حثيثاً لدي المتفرجين لرد هذا القهر في يوم ما، في مكان ما، في زمان ما...

كما يؤكد النقاد الذين اهتموا وحرصوا على مشاهدة العروض المرحية أن السمة الرئيسية لأغلب العروض المسرحية مختلفة، ولفرق متنوعة، ومن بلدان متغايرة الثقافات، إلا أنه يبدو أن الموضوعات التي تدور في فلكها هذه العروض أقل تنوعاً، فهي ترتكز على فقد سلطة ترفع الشعارات البراقة وتسحق شعوبها، إضافة الى أفراد تائهين غير متحققين على مستوى أعمالهم أو على مستوى علاقاتهم الشخصية.

واذا كانت هاتان هما الدائرتان الواسعتان اللتان تعاقدتا على فقد السلطة وازدراء ممارساتها، فإنهما قدمتا باقتراحات جمالية متعددة ومتباينة، يختلط فيها الساخر بالمأساوي، والسوداوي بالمتمرد، ومن هذه الاقتراحات الجمالية برزت سبعة عروض مسرحية، هي«أوفردوز» التونسي، «وهوس الساعة 48,4 فجراً، الأرميني، «واوديا 2001» الكرواتي وهذا مع اختلاف المداخل والمناهج لكل منهم، وتفاوت المستوي بين بعضها وإن اشتركوا جميعاً في تقديم عرض مسرحي بشروط جمالية أكثر من جيدة.

فالعرض الانجليزي الساخر «القمة» يقوم خلاله رئيسان بمهمة تفاوضية وبلغتين مختلفتين وغير مفهومتين للجمهور، ويعتمد العرض على الأداء التمثيلي والإيماءات والإشارات والغناء، معبراً عن الاختلافات الثقافية وما تحدثه من شروخ، وسوء فهم متبادل، وأن حكام الدول (السلطة) تفتقد اللغة التي تتواصل بها مع العالم حولها.

عذاب خاص

48 ,4 فجراً» فقدم فيه ست فتيات عذاباتهن الخاصة، اذ يحلمن خلاله بعالم أفضل يخصهن، وذلك في ادعاء جماعي شديد التوافق والدقة، مع إظهار المشاعر الداخلية، والنزعات الدفينة، والرغبات غير المتحققة، والمجازفة من أجل تحقيقها، حتى لو انتهى الأمر بمصحة للأمراض العقلية، ان هذه الساعة الفجرية المشار إليها هي العقبة التي تجتاز فيها الذات مواجهة نفسها.

ورغم بعد هذا العرض ظاهرياً عن المظلة الكبرى «نقد السلطة» إلا أن حالة الاغتراب، وما صارت عليه الفتيات الست في الفجر هو محصلة معاناتهن في النهار خاصة أنهن ارتدين في العرض ملابس العمال والحرفيين.

كما رأينا العرض السوري «حمام بغدادي» من خلال رؤية سوداوية شديدة القتامة للحالة العراقية، سواء في ماضيها أو في حاضرها، فالشخصيتان الرئيسيتان في العرض هما من دهماء الشعب العراقي، يقع عليهما الحيف الواقع على جميع العراقيين جراء النظام الديكتاتوري البائد والاحتلال الأميركي الجائر، ولا بصيص من ضوء هناك، في نهاية النفق.

أما العرض الكرواتي «أوديسا 2001» يستعيد رحلة العذاب لاود يسيوس، ومجابهته الصعوبات اثناء عودته، إن البطل الملحمي الجديد، يعبر من القرن العشرين الى الواحد والعشرين، وسط شعارات براقة تطنطن، ورعب يجتاح العالم، ولا نعرف هل يمكن لبطل هوميروس المعاصر أن يجتاز الصعوبات الراهنة التي باتت أشد قسوة؟

أما عرض أوفردوز فهو نقد حاد للسلطة من خلال لجنة تحاكم فرداً عادياً دون أن يكون هناك ما يستدعي المحاكمة، عبر إطار جروتسكي وسوداوي شديد القتامة والكوميدية في الآن نفسه. أما العرض المصري فيروز هل ذرفت عيونك دمعة يستمد طاقة الحياة من الفن (فيروز) أمام الدمار الهائل الذي تحدثه الآلة العسكرية، وليس للشعوب ذنب فيه، الهم السياسي الواضح في هذه العروض.

وفي غيرها (التي كانت أقل جمالية) مثل عرض تغيير مفاجئ السنغالي والملك لير صوفيا الأردني وتحت الأرض النمساوي إذ تؤكد جميعها على أن وسائل الإعلام والفضائيات تحديداً، قربت المسافات بين الدول وبين الموضات، وبين الهموم كذلك.

وانه إذا كان الحقل المسرحي يشهد تحولات هائلة تقنية تمس السينوغرافيا وكيفية شغل الفراغ المسرحي، والأداء التمثيلي، والإيقاع، ولغة التواصل فإن البنية الثقافية الأكثر شمولاً التي تتحرك خلالها عناصر العرض وتشكيلاته.

والتي تبرز فيها تجربة الحياة، والموقف من العالم، والرؤية العامة، هذه البنية الثقافية تؤكد العلاقة التبادلية بين الفن وبين العالم الذي ينتج فيه، بل ووعياً أكبر بهذا العالم من خلال الفن، والنتيجة أن الرؤية العامة التي يتحرك خلالها التشكيل الجمالي لخمسة عشر عرضاً مسرحياً هي نقد السلطة، والتأكيد على أن الفنان سيظل في طليعة من يحملون راية التمرد. كما تنوعت العروض الأجنبية في هذه الدورة .

حيث يمكن لنا ملاحظة بعض السمات فهناك عروض متميزة المستوى وتضم من بينها حسب ما شاهدت عروض مؤتمر القمة البريطاني وروميو وجولييت الروسي واوديسا 2001 الكرواتي، وقد تميزت جميعاً بالبحث عن الجديد سواء في تقنيات الممثل أو تقنيات العرض، فنجد العرض البريطاني يعتمد على نص اللغة واختراع لغة خاصة ورغم عدم وضوح معناها إلا أنها ذات معني مفهوم.

أما روميو وجولييت، فقد تميز برؤيته الجديدة الكوميدية لمأساة شكسبير عن الحب الخالد لكنها رؤية ممزوجة في العرض من خلال بعض المقاطع المعاصرة التي تؤكد استحالة الحب والصعوبات التي يتعرض لها، أما أوديسا الكرواتية فهي رؤية معاصرة لأوديسا هومروس الإغريقي القديم والتي يهتم فيها العرض بابراز رؤيته عن الحرب والدعوة للسلام من خلال استخدام الوسيط المالتي ميديا.

وهي هنا الفيديو برويكتور الذي تداخل فيه سينوغرافيا العرض والصور القديمة مع الصور المعاصرة. وهناك عروض ليست على المستوي منها عرض فرنسا الأول بعنوان نفس وهو لمخرج مصري ومجموعة فرنسيين مقيمين في مصر وموضوعه غير واضح، وأيضاً العرض الثاني قصصص لصرخات متعددة - عالم بين السطور .

وهو عرض حركي يعرض لحظات عنف أو غضب أو فرح بشكل حركي بلا هدف، والعرض التركي أوبو فهو يعتمد على أوبو جاري التي كتبها لمسرح العرائس وتقدم من خلال خيال الظل والحكي مما أفقد العرض حيويته وتواصله مع الجمهور، أما عرض السنغال تغيير مفاجئ فهو يفتقد النص المسرحي الجيد وعناصر الفرجة المسرحية.

إجماع فني

وعن ردود أفعال النقاد والمسرحيين عن هذه الدورة قال: جعفر القاسمي مخرج العرض التونسي أتمني تجديد هذا اللقاء في هذا المهرجان الذي هو فرصة لتلاقح التجارب والرؤى والأفكار والهواجس، أتمني أيضاً الحفاظ على هذا المكسب وتلافي بعض الهنات إن كانت موجودة ونتمنى بعد مغادرتنا لهذا المهرجان أن تتواصل القنوات وأن تفرز مشروعاً مسرحياً تونسياً مصرياً يشارك في أيام قرطاج المسرحية. ومن البحرين إبراهيم خلفان مخرج العرض البحريني:

قال: لن نقول وداعاً تجريبي بل نقول سوف نعود... نتمنى في الدورة التاسعة عشرة أن نري عروضاً أفضل، وتقليل عدد العروض في أيام المهرجان حتى يتسنى لنا متابعة كل العروض، وإن كنت أتمني أن توزع العروض على مدار اليوم ولا تنحصر في ثلاث أو أربع ساعات، فكيف لنا مشاهدته كاملة، وهو ما أرجو أن تأخذه إدارة المهرجان في الاعتبار.

ومن الجزائر محمد بن قطاف مخرج العرض الجزائري قال: المهرجان هو فرصة للقاء الأحباء والأعزاء منهم من لم نرهم منذ زمن طويل ومنهم من نتعرف عليهم فالمهرجان يعتبر محطة ثقافية تجعل كل المخرجين يقيمون أعمالهم من خلال هذا المهرجان.. وباي باي تجريبي ونشوفكم على خير. ومن ناحيته أضاف يوسف بلوشي مخرج العرض العماني:

مهرجان القاهرة مهرجان عالمي رائع تقدم فيه عروض مسرحية مختلفة ومن مدارس مختلفة وانطباعي عن مهرجان هذا العام أنه قدم عروضاً متميزة تباينت فيها الأفكار والرؤى الإخراجية ولكن هناك بعض الملاحظات حول العملية التنظيمية.

حيث أن عدد العروض المقدمة يجب أن يكون محدداً وفي المهرجان فقط ويتم ترتيب العروض بحيث يمكننا مشاهدتها ويكتفي المهرجان بثلاثين فرقة فقط ويتم اختيارها في المسابقة ولا تكون هناك عروض على الهامش حتى لا يتم تهميش هذه الفرق بدون مشاهدة.

ومن السودان تحدث المخرج ربيع يوسف الحسن وقال: إن هذه الدورة تتسم بقدر من المباشرة والتكرار في المعالجة والموضوعات.. أظنه مؤشراً ذا دلالتين الأولي الانفعال الحركي عند المسرحيين العرب بقضايا شعوبهم ثم الأثر السلبي لهذه القضايا (الحروب) عليهم.. أتمني في الدورات المقبلة أن تتحقق الدلالة الأولي مقابل التخلص من الثانية.. وذلك دورنا كمسرحيين. (وكالة الصحافة العربية)