يطلق الجلد على الغطاء الحافظ الذي يجمع أوراق مجموعة ما أو كتاب معين، دون أن تتشتت أو تفقد تسلسلها، وهذا الاسم العربي الذي يعني الجلد أي ما يغطي جلد الدواب وبني البشر، قد أطلق عليه بناءً على أن التجليد قد تم تصنيعه من الجلد الذي هو الملائم لمثل هذا الفن، وأقدم أغلفة الجلود يرجع إلى القرن الرابع الميلادي، وهو ما حفظ مجموعة من أوراق البردي دون أي مظهر فني.
أما أولى الجلود التي حملت الوصف الفني، فقد ظهرت على يد الأقباط في مصر، وعلى يد الأويغور في آسيا الوسطى في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين، والتشابه كبير بينها، وفي بدايات القرن العشرين ظهرت قطعتان من جلد ضمن مخطوطات مانية على يد (آلفرد فون لو كوك) أثناء حفريات هوجو.
والجلود القبطية صنعت من الجلود ونُحتت بالسكين وزينت بمختلف النقوش، يضاف إلى ذلك أن الأقسام المنحوتة من الجلود قد ألصقت بها من الداخل قطع جلود أخرى، ما أدى إلى إضفائها بطابع السطح المزدوج المنقوش وكذلك باللون المزدوج عليها، وأقدم النماذج المعروفة لفن التجليد الإسلامي ظهر في مصر وتونس، ويبدو أنها ترجع لبني طولون (868-905م) ويظهر تشابه كبير في كافة فنون التجليد الإسلامي المصنوعة في القرن العاشر إلى الثالث عشر الميلادي.
التطور التاريخي
ومن خلال التطور التاريخي فإن الأساليب المتبعة في فن التجليد الإسلامي هي: الخطاي، العربي، المملوكي، المغربي، التركي (العثماني)، البخاري الجديد، ولكل منها اسلوبه وطريقته الخاصة فالأسلوب العربي تطور في بلاد الجزيرة وحلب والشام، وجلود التجليد وزخرفتها بارزة، وهذا الأسلوب هو المتأثر بالأسلوب التركي الذي بدأ مع العباسيين.
ومستلهم من الأسلوب الأويغوري، بينما الأسلوب المملوكي المخلوط بالأسلوب العربي الذي مارسه الأتراك المماليك في مصر، يشبه في العديد من الأوجه الأسلوب الرومي، ويتوازى مع الأسلوب العثماني في القرن الخامس عشر وبدايات القرن السادس عشر الميلاديين.
كما هو متمثل في الأسلوب المغربي الذي تطور في الأندلس وصقلية والمغرب.وهو متأثر بالطريقة العربية تلك التي أثرت في صناعة التجليد الأوروبي من خلال إسبانيا وصقلية، أما القرن الخامس عشر الميلادي .
وهو المرحلة الانتقالية من تجليد سلاجقة الأناضول إلى التجليد العثماني، وأولى نماذج التجليد العثماني باقية من عهد السلطان محمد الفاتح، ويظهر عليها تأثير سلاجقة الأناضول بشكل واضح، إلا أن الكتب التي كتبت بشكل خاص لمكتبة السلطان محمد الفاتح، تشكل أسلوباً مستقلاً، أضفى على فنّ الكتابة التركية في ذلك العهد ذلك الطابع المستقل، بخطها وتذهيبها وتجليدها بل حتى بورقها، وأصبح ذلك باكورة لفن جديد، ويعتبر القرن السادس عشر الميلادي هو القرن الذهبي للدولة العثمانية في صناعة التجليد، كما هو كذلك في سائر المجالات الأخرى.
ولذلك فقد أخذ لقب العهد الكلاسيكي، والتطور الذي حصل في فن التجليد، مرتبط بالتطور الذي أحرزته صناعة الجلود العثمانية التي تمكنت من إنتاج كل الألوان، وهكذا استمر تطوير التجليد من قرن الى آخر وحمل في كل مرحلة تغييرا واضحا في الأسلوب والطريقة التي يتم فيها تجليد أمهات الكتب.
يمكن الاعتماد على زخارف المطبوعات في التجليد في تحديد العصر الذي صنعت فيه تلك المخطوطة، لأن كل عصر من عصور الحضارة العربية الإسلامية تميز بالعديد من السمات الثابتة والخاصة به إضافة إلى أن هذه الأغلفة تعطي للمخطوط هويته العربية والإسلامية بشكله وأسلوب صناعته وفنونه المتعددة مما يميزه عن سائر المخطوطات في العالم.
ولكن إذا نظرنا اليوم إلى فن التجليد في العالم العربي و الإسلامي نجده شبه معدوم إلا في بعض المراكز في تركيا حيث يصنعون الأغلفة العثمانية فقط، وفي إيران يصنعون الأغلفة الفارسية فقط، وبالتحديد أغلفة اللاك ذات الرسوم الملونة المختلفة.
وماعدا ذلك من المراكز والمؤسسات تجلد مخطوطاتها بالطريقة الحديثة التي تجلد فيها المطبوعات، وبمواد صناعية أو بأسلوب أوروبي، وإن أخذت شكل الغلاف الإسلامي، و بكلا الحالتين لا نجد عليها أيّاً من فنون الأغلفة الإسلامية إطلاقا حيث يخرج الغلاف مشوها او فاقدا لهويته ودون أيّ لمسة جمالية نهائيا.
مركز الماجد والتراث
في دولة الامارات وفي مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث تحديدا، اُنشأ قسم خاص بالحفظ والمعالجة والترميم يعنى بدرجة رئيسية بالتجليد وإعادة ما تلف من الأغلفة ذات الدلالة التاريخية والفنية.
ويأتي هذا الاهتمام تطبيقا لأهداف المركز وتوجيهات جمعة الماجد الرجل الذي اخذ على عاتقه مهمة كبيرة في إرساء هذا المركز وتوسيع علاقاته مع كثير من المراكز والمؤسسات المشابهة، او مع المكتبات الكبيرة المنتشرة في كثير من الدول العربية والإسلامية والمكتبات العالمية.
وحرص الماجد ان يحيي لهذه الحرفة تاريخها وإعادة قواعدها وأسسها التطبيقية وموادها الأصلية المستخدمة بصناعتها، معتمدا على نخبة من المختصين والمتابعين والذين عملت أيديهم في أعمال وأغلفة أصلية، ومن خلال هذه النخبة وضعت دراسة شاملة من جميع النواحي الفنية والتطبيقية والتاريخية والجغرافية لأكثر من ثمانية قرون سابقة حصروا خلالها تصاميم الزخرفة الرئيسية لكل دولة من الدول التي عرفت بفن التجليد.
وخلصوا في دراستهم إلى قيام المركز الذي يعد من اهم المراكز في العالم العربي بعدة مهام لإحياء فن التجليد وتعليمه لقطاع كبير من المهتمين؛ خاصة الشباب الذين أهملوا هذا النوع من الفن العربي والإسلامي، ومن النقاط التي وضعت كبرنامج للمركز على المستوى القريب:
أولا: تجليد مخطوطات المركز التي فقدت أغلفتها بأغلفة جديدة، وفيها من الخصائص الفنية ما يتناسب مع عصر صناعة هذه المخطوطات.
ثانيا: إجراء دورات تخصصية في التجليد العربي الإسلامي للعاملين في هذا المجال عربيا وإسلاميا.
وبحسب ما ذكره جمعة الماجد انه بهذه الخطوة نعيد للمخطوط روحه التي فقدها، ونحيي المخطوط الذي فقد غلافه إن أعدنا إليه الغلاف بصفاته الفنية التي تتناسب مع عصره الذي صنع به، وهو جزء يسير من الوفاء الذي سيقدمه المركز لهؤلاء الفنانين العظام، وعلينا أن نحافظ على إرثهم الذي قضوا أعمارهم في إنتاجه.
كما انه واجب أن نعيد لمخطوطاتنا رونقها وأبهتها التي تميزت بها، وان نذكر العالم أن العرب المسلمين هم من أسس هذه الحرفة بأسلوبها الصحيح ولهم الفضل في تعليمها للأمم الأخرى، ويختتم جمعة الماجد كلمته:
بهذا العمل نتمنى أن نكون قد أعطينا مخطوطاتنا حقها المفقود وحافظنا على جزء مهم من إرثنا العظيم، وان تعم الفائدة الجميع خاصة المهتمين في مجال التجليد بأسلوبه الفني والزخرفي ومعانيه التي تحمل دلالات تاريخية ونقوشا إسلامية.
دبي ـ جميل محسن: